النهار

٢٥ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ ابريل-٢٠٢٦       12430

بقلم - غازي العوني

شاهدنا بأم أعيننا كيف تفكر عقليات تعرّف وجودها كله على تدمير الآخر واضطهاده، متجاهلة كل القيم والمبادئ. ظنّت أنها تشق طريقها نحو النصر، لكنها في الحقيقة كانت تقود نفسها — وتقودنا جميعًا — إلى دمار لن يكون للآخر فحسب، بل للجميع.

هنا لم يعد السؤال سياسيًا. صار وجوديًا: كيف تحافظ على إنسانيتك عندما يبدو أن العالم كله قرر أن يخلعها؟

هناك فرق جوهري بين نظرة معتدلة ترى العالم ساحة للعيش المشترك، ونظرة متطرفة ترى العالم ساحة تصفية. النظرة المتطرفة، يمينًا كانت أو يسارًا، دينية أو علمانية، لا تملك مشروع "بناء". مشروعها الوحيد هو "المحو". هي لا تقول: "أنا على حق". بل تقول: "أنت يجب ألا تكون". وجود الآخر بحد ذاته جريمة، وصوته تلوث، وحياته إهانة.

هذه العقلية لا تصنع حضارة. لأن الحضارة تُبنى على التراكم، لا على الأنقاض. المتطرف، في أعماقه، مهندس مقابر. قد ينتصر مؤقتًا، لكنه ينتصر على أرض محروقة لا تصلح للحياة — حتى لحياته هو.

الخطر الأكبر للتطرف ليس ما يفعله بالآخرين. بل ما يفعله بك أنت. عندما تقبل أن تكون وقودًا في ماكينة الكراهية، تحدث فيك تحولات صامتة ومرعبة: تموت قدرتك على الرحمة، ويصبح الألم مجرد "خسائر جانبية". صور الأطفال، صرخات الأمهات، تتحول إلى أرقام في معركة. قلبك، العضو الذي كان يميزك كإنسان، يتصلب ويصبح حجرًا.

كيف تحافظ على إنسانيتك في هذا العالم؟ مارس "الشك المقدس" كل صباح. قبل أن تفتح هاتفك وتغرق في طوفان اليقين الزائف، اسأل نفسك سؤالاً واحدًا: "ما هي الفكرة التي أؤمن بها اليوم، وقد أكتشف غدًا أنها خاطئة؟".

ارفض "نزع الصفة الإنسانية" عن خصمك. الاختلاف السياسي والعقائدي مشروع. لكن تحويل خصمك إلى "حشرة"، "جرثومة"، "شيطان" هو بداية المجزرة. درّب نفسك على رؤية أبسط الحقائق: خصمك له أم تنتظره. له طفل يخاف عليه. له ليلة لم ينم فيها من القلق.

عاند منطق الهدم بفعل البناء. التدمير فعل كسول. الصراخ أسهل من الكتابة. الهدم أسهل من العمارة. قاوم هذا الكسل الوجودي. اكتب فقرة. ازرع شجرة. علّم طفلًا حرفًا. أصلح كرسيًا مكسورًا. كل فعل بناء، مهما كان صغيرًا، هو إعلان استقلال عن عقلية التدمير.

احمِ "مساحة الصمت" في داخلك. نحن نعيش تحت قصف مدفعي من الأخبار، والتحليلات، والصراخ الأيديولوجي 24 ساعة. هذا الضجيج المتواصل هو الذي يصنع التطرف. هو يمنعك من سماع صوتك الداخلي. خذ ساعة واحدة يوميًا. أغلق كل شيء. امشِ. تأمل. استمع لصمتك.

في النهاية، النظرة التي تعرّف وجودها على تدمير الآخر تحكم على نفسها بالفناء. لا يمكن لجماعة أن تعيش إلى الأبد على وقود الكراهية. ستحرق نفسها بعد أن تحرق كل ما حولها.

الحفاظ على وجودك الإنساني ليس رفاهية. ليس ضعفًا. وليس حيادًا سلبيًا. هو أشرس أشكال المقاومة. هو أن تقف في وجه الطوفان وتقول: "لن أسلمكم إنسانيتي. لن أسمح لكم أن تجعلوني نسخة مشوهة منكم. سأبقى إنسانًا، حتى لو كان الثمن أن أقف وحدي".

*التوقيع
يجب أن تتحول النظرة بين الإنسان والإنسان: من "أنا ضدك" إلى "أنت وأنا نعيش من أجل نحن"._ غازي العوني

*English:*  
The relationship between human and human must shift: from “me versus you” to “you and I living for the sake of we.”