النهار

١٦ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ ابريل-٢٠٢٦       5500

بقلم ـ عبدالمحسن محمد الحارثي
لم تنتهِ الحرب بقدر ما خفَتَ صوتُها؛ هدنةٌ تُخفي تحتها قابلية الاشتعال، ومشهدٌ إقليميٌّ ما يزال يُعيد ترتيب أعصابه على إيقاعٍ لم يستقر بعد. وكأن التاريخ يعيد تذكير المنطقة بما قاله توكفيل: “الاضطرابات لا تنتهي بانتهاء أسبابها، بل بتبدّل أشكالها.”

إيران اليوم ليست تلك التي دخلت المواجهة، ولا هي التي خرجت منها سالمة؛ إنها كيانٌ تعلّم وهو يُضرَب، وتماسك وهو يتصدّع، وواصل الحركة وهو يختبر حدود نفسه وحدود الآخرين. غير أن هذا التعلّم لم يكن بلا كلفة؛ فكلّ درسٍ كان يُقتطع من الداخل قبل أن يُضاف إلى رصيد الخبرة، وكأنها تُجسّد قول ابن خلدون: “الدول لها أعمار كما للأشخاص.”

في اللحظة الآنية؛ تبدو طهران واقفةً على تخوم زمنٍ جديد: فقد تآكلت هالة الردع القديمة، لا لأن القدرة تلاشت، بل لأن قابلية الاختراق صارت واقعًا محسوسًا. وهنا يحضر نيتشه: “ما لا يقتلني يجعلني أقوى”—لكن التجربة تُضيف: وأكثر حذرًا، وأثقل كلفةً، وأشدّ اضطرارًا لإعادة التعريف.

هذه الحرب لم تُبدّل موازين القوة فحسب، بل وسّعت دائرة الجُرأة في الإقليم؛ فقد كُسرت هيبة المسافات، وتبدّلت قواعد الاشتباك. وكأننا أمام ما قاله مكيافيلي: “الناس يُسيّرهم الخوف أكثر مما يُسيّرهم الحب.”
لقد بدا الخليج—للمرة الأولى بهذا الوضوح—ساحةً يمكن أن تُلامسها النيران لا تخومًا آمنة خلفها.

غير أن هذه الجرأة ليست فعلًا حرًا، بل نتيجة تآكل الردع وتداخل الحسابات؛ فالسياسة هنا أقرب إلى ما وصفه كلاوزفيتز: “الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى”—لكنها اليوم أيضًا سياسة تُدار تحت ضغط الحرب.

ومن هنا؛ فإن طريق الانتقام—الذي كان طويلًا ملتويًا—أصبح أقصر وأكثر مباشرة، عبر قنواتٍ أقل ضجيجًا وأشد أثرًا. غير أن المفارقة أن زيادة القرب لا تعني زيادة السيطرة، بل اقتراب الحافة أكثر من الانزلاق.

وفي المقابل، وعلى الضفة الأخرى من السيف؛ تبلور بُعدٌ براغماتي للانسجام، لكنه براغماتية اضطرار لا اختيار. وكأنها تُعيد صياغة قول صن تزو: “أعظم انتصار هو الذي لا يحتاج إلى قتال”—لكن هنا: أعظم تهدئة هي التي لا تعني انتهاء القتال.

وهكذا تمشي إيران بين حدّين:
تُسرّع الرد حين تتاح الفرصة،
وتُبطئ المواجهة حين ترتفع الكلفة.
لكن هذا ليس ثبات قوة، بل إدارة ضغطٍ دائم في بيئة مفتوحة الاحتمالات.

وفي داخلها؛ تبدّلت النفس أكثر مما تبدّل الخطاب. حلّ القلق الاستراتيجي محلّ الثقة الهجومية، وتقدّم هاجس الاستنزاف على نشوة المبادرة. وكأنها تعيد إنتاج مقولة هوبز: “حياة الإنسان صراع دائم ضد الخوف.”

وفي محيطها؛ تغيّرت زاوية النظر… مع المملكة العربية السعودية يتعاظم الإدراك بأن الاستقرار ضرورة لا شعار، يقابله حذرٌ متبادل يذكّر بأن المصالح لا تُلغي الشكوك. ومع العراق لم يعد العمق مفتوحًا، بل ساحة توازنات دقيقة. وفي اليمن تبقى الورقة قائمة لكن بكلفة أعلى. أما تركيا؛ فحضورها المتصاعد يكرّس ما يشبه معادلة ابن خلدون عن “تبدّل العصبيات وتحوّل مراكز الثقل”.

الخلاصة أن هذه الحرب لم تُنتج نهاية، بل بداية مختلفة؛ بدايةٌ صار فيها الاقتراب ممكنًا، والردّ أقصر، والتهدئة أذكى—لكن أيضًا أكثر هشاشة.

وفي قلبها تمضي إيران لا كقوةٍ مطلقة، بل كقوةٍ تُدير تناقضاتها تحت ضغط الواقع:

ثورةٌ تمشي على حدّ السيف؛
تستفيد من الجرأة التي وُلدت،
لكنها تُقايضها باستنزافٍ داخلي متراكم،
وتختصر مسافات الانتقام،
لكنها لا تملك دائمًا ترف التحكم في نهايات الطريق،
وتُخفي خلف هدوئها براغماتية إدارة صراعٍ مفتوح… لا يُحسم بقدر ما يُدار!!