النهار

١١ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ ابريل-٢٠٢٦       7370

بقلم ـ عبد المحسن محمد الحارثي

ليس كلُّ صخبٍ دليلاً، ولا كلُّ يقينٍ برهانًا. ثمة خطاباتٌ تُبنى على ارتفاع النبرة أكثر مما تُبنى على ثقل الحجة؛ تُغريك بطمأنينةٍ سريعة، وتمنحك يقينًا جاهزًا، لكنها في العمق تُعيد ترتيب الواقع ليوافق ما تريد أن تصدّقه، لا ما هو كائن بالفعل.

في هذا السياق ؛ يُستحضر اسم عبدالباري عطوان بوصفه مثالًا لأسلوبٍ يتكرّر في فضاءٍ إعلاميٍّ مأزوم: لغةٌ مشحونة، وسرديةٌ مغلقة، وانتقاءٌ محسوب لما يُقال وما يُغفل. 
ليست القضية في اختلافٍ مشروعٍ في الرأي، بل في تحوّل الرأي إلى قالبٍ واحدٍ يُفرض على الوقائع، حتى تبدو الحقائق وكأنها ملحقاتٌ في هامش السرد.

هنا تتقدّم البلاغة على الدقّة، ويُستبدل التحقق بالإيحاء، ويُقدَّم “نصفُ الحقيقة” بمهارةٍ تجعلها تبدو الحقيقة كلّها..وقد قال فريدريش نيتشه: "أخطر الأكاذيب هي الحقائق المشوّهة".
وهذه العبارة تلخّص جوهر الإشكال: ليس في ما يُقال فقط، بل في ما يُحجب خلفه.

إنّ هذا النمط من الخطاب ؛ لا يكتفي بتفسير الحدث، بل يعمل على صناعة حالة؛ حالةٍ من الاصطفاف العاطفي، حيث يُستبدل السؤال بالتسليم، ويغدو الاعتراض خيانةً للمعنى المُقدَّم..وكأنّ الرسالة الخفيّة تقول: "اتّبع الشعور.. ودع التفكير جانبًا".

وقد نبّه حنة آرندت إلى أنّ أخطر ما في الكذب السياسي ؛ ليس استبدال الحقيقة، بل تدمير القدرة على التمييز بين الحقيقة ونقيضها. 
وحين تُشوَّش هذه القدرة ؛ يصبح كلُّ صوتٍ واثقٍ مصدرًا، وكلُّ خطابٍ متماسكٍ دليلًا، ولو كان قائمًا على انتقاءٍ مُضلّل.

وهنا تتأكد ضرورة التحذير:
إنّ أخطر ما في “السرديات المؤجَّرة” أنها لا تُقدَّم على أنها دعاية، بل على أنها وعي. تُلبِسُ الموقف ثوب الحقيقة، وتُجمّل الانتقاء ببلاغةٍ آسرة، فتُخاطب في المتلقي حاجته إلى اليقين، لا قدرته على الفحص.

وقد قال فرانسيس بيكون: "العقل البشري يميل إلى تصديق ما يوافق رغباته".
وهنا تجد هذه الخطابات سوقها الأوسع؛ إذ لا تُرهق المتلقي بتعقيد الحقيقة، بل تُريحه ببساطة الرواية.

وقال كارل بوبر: "الحقيقة لا تخاف النقد، بل تنمو به". 
بينما السردية المغلقة تخشاه ؛ لأنها إن فُتحت على الأسئلة، انكشفت هشاشتها.

وفي الحكمة العربية: "إذا اشتدّ الضجيج قلّ البرهان". وهي قاعدةٌ تختصر مشهدًا كاملاً؛ حيث يُستخدم الصخب ستارًا يُغطّي على فراغ الدليل.

لذلك ؛ فإنّ التحذير من هذا النمط ليس موقفًا ضد أشخاص، بل دفاعٌ عن وعيٍ عام؛ عن حقّ المتلقي في أن يرى الصورة كاملة، لا مجتزأة، وأن يسمع أكثر من صوت، لا صدى صوتٍ واحد.

كيف يتحصّن المتلقي؟
- أن يسأل عمّا غاب قبل أن يكتفي بما حضر.
- أن يفرّق بين حرارة اللغة وبرودة الحقيقة.
- أن يوازن بين مصادر متعددة ؛ لا أن يستسلم لسرديةٍ واحدة.
- أن يتذكّر أن أقصر الطرق إلى القناعة ؛ ليس دائمًا أصحّها.

في المحصلة ؛ لا يُقاس صدق الخطاب بعلوّه، بل بقدرته على الصمود أمام السؤال. 
وبين إعلامٍ دولة ، يُنير العقول، وإعلام ثورة ، يُشبع العواطف ؛ يبقى الفارق دقيقًا .. لكنه يصنع وعي أمة.