النهار
بقلم- أمل الشامان
نحن نعيش حياتنا نظن أننا نتحكم بكل شيء؛ قراراتنا، مشاعرنا، خطواتنا القادمة…
لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.
هناك أشياء لا تُرى…
لا تُلمس…
ولا تُقال…
ومع ذلك، هي من ترسم ملامح حياتنا.
الخوف…
ليس ذلك الذي نصرّح به، بل ذاك الذي نسكته داخلنا.
الخوف من الفشل، من الرفض، من نظرة الآخرين…
ذلك الخوف الذي يجعلنا نتراجع خطوة، بينما كنا نستطيع أن نتقدم عشرًا.
الكلمات التي لم تُقال…
كم مرة أردت أن تعبّر، لكنك صمت؟
كم مرة شعرت بشيء عظيم، لكنك خفت أن تُساء فهمك؟
تلك الكلمات لا تختفي… بل تبقى، تتراكم، وتتحول إلى ثقل داخل القلب.
المشاعر المؤجلة…
نؤجل الحزن، نؤجل المواجهة، نؤجل حتى الفرح أحيانًا.
نقنع أنفسنا أن “ليس الآن”، لكن “الآن” لا يأتي أبدًا.
فتكبر هذه المشاعر بصمت… حتى تسيطر علينا دون أن نشعر.
ونظرة الآخرين…
ذلك السجن غير المرئي.
نعيش أحيانًا كما يريدون، لا كما نريد نحن.
نختار، نلبس، نتحدث… بناءً على ما سيُقال عنا، لا ما نشعر به فعلًا.
أما الذكريات…
فهي أكثر ما يختبئ بعمق.
ذكرى قديمة، موقف عابر، كلمة قاسية…
نظن أننا نسيناها، لكنها تعود في لحظات غير متوقعة، وتؤثر في قراراتنا اليوم.كل هذه الأشياء…
لا تُرى بالعين، لكنها تُشعر بالقلب.
لا تُقاس، لكنها تغيّر مسار حياة كاملة.
والسؤال الحقيقي ليس: هل هذه الأشياء موجودة؟
بل: هل نمتلك الشجاعة لنواجهها؟
أن تعترف بخوفك…
أن تقول ما في قلبك…
أن تواجه مشاعرك بدل الهروب منها…
أن تعيش كما تريد، لا كما يُراد لك…
هذا هو التحرر الحقيقي.
ربما لن تختفي هذه الأشياء تمامًا…
لكن عندما تراها بوضوح، تفقد قدرتها على التحكم بك.وأنت…
هل تعيش حياتك كما تريد؟
أم كما تمليه عليك أشياء… لا تُرى؟
هناك أشياء لا تُقال حقا … لكنها تُعاش فليست كل الكلمات تُقال، ولا كل المشاعر تُترجم إلى حروف.
هناك أشياء تسكننا بعمق، تمرّ بنا كنسمة خفيفة أو كعاصفة صامتة، لكنها تأبى أن تُختصر في جملة أو تُحبس داخل عبارة.
كأن اللغة، بكل اتساعها، تضيق فجأة أمام بعض ما نشعر به.
هناك حزن لا يُحكى… ليس لأنه غامض، بل لأنه واضح أكثر مما ينبغي.
واضح لدرجة أنه يؤلم حين يُقال، ويؤلم أكثر حين يُعاد.
حزن نخبئه خلف ابتسامة عابرة، أو ندفنه في تفاصيل يومنا، ونمضي وكأن شيئًا لم يكن.
وهناك حب لا يُقال أيضًا… حب صادق، عميق، لكنه خجول.
يختبئ في الأفعال الصغيرة: في السؤال، في الاهتمام، في القلق الصامت.
لا يحتاج إلى إعلان، بل يعيش في التفاصيل التي لا يلاحظها إلا من يشعر بها.
بعض الأشياء لا تُقال لأننا نخاف تفسيرها بشكل خاطئ، أو نخشى أن تُقابل ببرود، أو لأننا ببساطة لا نجد من يفهمها كما هي.
فنختار الصمت… لا ضعفًا، بل حفاظًا على نقاء الشعور.
الصمت أحيانًا لغة، بل أصدق اللغات.
فيه اعترافات لا تُكتب، وقرارات لا تُعلن، ونهايات لا تحتاج إلى وداع.
فيه ما يكفي من الضجيج الداخلي ليُغنينا عن الكلام.
ومع ذلك، تظل تلك الأشياء التي لا تُقال هي الأكثر حضورًا.
هي التي تشكلنا، تغيّرنا، وتترك أثرها العميق فينا.
قد لا يسمعها أحد، لكنها تعيش فينا، تنضج معنا، وتُخبرنا من نكون حقًا.
في النهاية، ليست كل الحكايات تُروى… وبعضها، حين يُقال، يفقد شيئًا من صدقه.
لذلك، تبقى هناك أشياء لا تُقال… لأنها ببساطة، أصدق من أن تُقال.