النهار

١٤ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ مارس-٢٠٢٦       20075

بقلم - طارق محمود نواب
ليست كلُّ الأوطان تُقاسُ بمساحتها على الخريطة، ولا تُعرف عظمتها بعدد المدن والحدود، بل تُقاسُ بعلوِّ الفكرة التي قامت عليها، وبالروح التي تسري في تاريخها.

وهناك أوطانٌ وُلدت من السياسة، وأخرى نشأت من القوة، غير أن هذه البلاد المباركة نشأت من معنى أسمى وأجلّ، معنى التوحيد الذي ارتفع في السماء قبل أن يرتفع في الرايات.

ومن تلك القمة الروحية العالية بدأت الحكاية، حكاية وطنٍ تشكَّل في نور العقيدة، فكان قيامه أولًا في ذُرى الله، ثم استقام بنيانه شامخًا في ذُرى آل سعود.
ففي هذه الأرض التي اختارها الله مهبطًا للوحي ومسرحًا لفجر الرسالة، لم يكن قيام الدولة حدثًا عابرًا في سجلِّ الزمن، بل كان امتدادًا لمعنى عميق يتصل بتاريخ الإسلام وروحه.

فهنا حيث تهفو القلوب إلى القبلة، وتشدُّ الرحال إلى الحرمين الشريفين، نهضت دولةٌ حملت على عاتقها رسالةً تتجاوز حدود السياسة إلى أفقٍ أوسع، رسالةُ حماية التوحيد، وخدمة الإسلام، ورعاية كرامة الإنسان.
وحين نهض الإمام المؤسس العظيم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود  طيّب الله ثراه بمشروعه العظيم، فلم يكن مجرد قائدٍ يسعى إلى توحيد أرضٍ متفرقة، بل كانت رؤيةٍ رجل يدرك أن الأمم لا تنهض إلا حين تجتمع على عقيدةٍ جامعة وغايةٍ سامية.

فجمع الشتات، وأعاد للجزيرة العربية وحدتها، وغرس في قلبها دولةً قامت على كلمةٍ واحدةٍ خالدة لا إله إلا الله محمد رسول الله.
ومن تلك اللحظة التاريخية الفاصلة، بدأت مسيرةُ وطنٍ يتشكّل على مهل، لكنه يتقدّم بثبات. وطنٌ يتكئ على الإيمان، ويستمدُّ من العقيدة قوته، ويصوغ من إرادة الرجال تاريخًا جديدًا.

ولقد كان الملك عبدالعزيز مدرسةً في القيادة، جمع بين الحزم والحكمة، وبين البصيرة والشجاعة، فأسّس دولةً لم تكن مجرد كيانٍ سياسي، بل مشروع حضارةٍ واستقرار.
ثم تعاقب أبناؤه الملوك على حمل الأمانة، فكان كلُّ عهدٍ صفحةً مضيئةً في كتاب المجد السعودي، فعهدٌ يُرسِّخ الاستقرار، ويعزّز البناء، ويُوسِّع آفاق التنمية، حتى أصبحت المملكة اليوم ركيزةً من ركائز العالمين العربي والإسلامي، وواحدةً من أكثر الدول حضورًا وتأثيرًا في المشهد الدولي.
وفي عهد مولاي وسيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز  حفظه الله  تستعيد الدولة روحها التاريخية بثباتٍ وحكمة، إذ يجتمع عمق التجربة مع وضوح الرؤية، وتلتقي أصالة الماضي مع طموح المستقبل.

وإلى جواره يقود سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظه الله مسيرةً استثنائيةً نحو آفاقٍ جديدة من النهضة والتنمية، مسيرةً تُعيد صياغة دور المملكة في العالم، وتفتح أمامها أبواب المستقبل بثقةٍ واقتدار.
وهكذا تمضي المملكة، واثقة الخطى، راسخة الجذور، عالية المقام. وطنٌ يعرف من أين بدأ، وإلى أين يمضي.

وطنٌ لم تُشيّده المصالح العابرة، بل صنعته عقيدةٌ صافية، وحفظته قيادةٌ حكيمة، واحتضنه شعبٌ وفيّ يرى في رايته أكثر من علمٍ يُرفرف، حيث يراها كلمة توحيدٍ خالدة تُذكِّره أن هذا الوطن لم يقم إلا ليبقى شاهدًا على عظمة الإيمان حين يصنع التاريخ.
ومن هنا يتجلّى سرُّ هذه الوطن العظيم سرٌّ بسيطٌ في لفظه، عظيمٌ في معناه
فلقد قامت المملكة أولًا  في ذُرى الله  حين ارتفعت بكلمة التوحيد،
ثم بقيت شامخةً في ذُرى آل سعود الذين حفظوا العهد، وصانوا الرسالة، وأداروا دفة التاريخ بثبات الرجال.
فما بين هاتين القمتين، وُلد وطنٌ ليس ككل الأوطان، وطنٌ تتعانق فيه العقيدة مع القيادة، ويجتمع فيه التاريخ مع المستقبل، وتبقى رايته الخضراء شاهدةً على أن المجد حين يُبنى على الإيمان لا يزول.
حفظ الله السعودية العظمى، وأدام عليها عزَّها وأمنها واستقرارها،
وحفظ قيادتها الحكيمة التي جعلت من خدمة الدين والوطن شرفًا لا يعلوه شرف.