النهار
بقلم:عبدالله الكناني
*يعود التاريخ اليوم حيًّا نابضًا*، ويسير في الصحراء كما سار قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، حين تبدأ رحلة *(على خطاهﷺ)* مستحضرةً أعظم انتقال عرفه التاريخ الإنساني؛ رحلة الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.
في جمال فكرته وعظمة مشروعه وإبداع تنفيذه، يتجلى *(على خطاهﷺ)* بوصفه متحف خطى السيرة المباركة للتحول العظيم؛ حيث ينبسط الطريق إلى كلمة الحق والنور المبين الذي انطلق من مكة، وشعّ ضياؤه في المدينة النبوية، حيث أنصار الرسالة من الأوس والخزرج احتضنوا المهاجرين مع سيد الخلق ﷺ وصاحبه الصديق رضي الله عنه، في رحلة انبثق عنها نور الإسلام إلى كل الآفاق.
يستدعي المشروع تفاصيل الطريق الذي سلكه النبي ﷺ وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، *لا بوصفه سردًا محفوظًا في بطون الكتب، بل تجربة تُعاش خطوةً خطوة,*
ويمتد الدرب لمسافة 470 كيلومترًا، منها 305 كيلومترات مخصصة للسير على الأقدام، عابرًا 59 محطة تاريخية وإثرائية، وموثقًا 41 معلمًا، ومتوقفًا عند خمسة مواقع شهدت أحداثًا مفصلية صنعت التحول الأكبر في مسيرة الأمة.
يستحضر الزائر مشاهد الطريق القديم، *فيمر بعسفان، ويقف عند خيمتي أم معبد، ويتأمل قصة سراقة بن مالك،* وكأنه يعايش لحظات القلق واليقين، والخوف والطمأنينة، والتخطيط والتوكل. وتمتزج رهبة المكان بوعي اللحظة، فيدرك السائر أن الهجرة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، *بل تأسيس دولة وبناء حضارة، وبداية إشراقة أمة حملت الرسالة إلى العالمين*.
يوظف المشروع *تقنيات الواقع المعزز* ليعيد تجسيد المواقف التاريخية في مواقعها الحقيقية، فتلتقي التقنية بروح السيرة، ويصبح المشهد أكثر قربًا ووضوحًا، ويتيح ركوب الإبل استعادة وسيلة الرحلة الأولى، فيما تعمّق ورش العمل الثقافية والزيارات الميدانية – *بإشراف مختصين في السيرة* – الفهم والمعرفة، لتتحول الرحلة إلى تجربة فكرية وروحية متكاملة.
*يجسد تدشين المشروع في المدينة المنورة برعاية الأمير سلمان بن سلطان، وبحضور الأمير سعود بن مشعل والمستشار تركي آل الشيخ*، صورة مشروع عظيم من دولة بقيادة عظيمة، وقائمين وقادة أمناء يجسدون تاريخ الأمة وعظمتها بأعمال خالدة، *ويعكس العناية التي توليها المملكة للحرمين الشريفين وضيوف الرحمن*، ورؤية تسعى إلى تعميق ارتباط الزوار بالسيرة النبوية وإثراء تجربتهم الدينية والثقافية.
يربط *(على خطاهﷺ)* الماضي بالحاضر، ويحوّل السيرة من نص يُتلى إلى درب يُمشى، ومن ذكرى تُستعاد إلى معنى يُعاش، ويؤكد أن الهجرة ليست حدثًا انقضى، بل قيمًا متجددة: صبرًا في الشدائد، وحكمةً في التخطيط، وثقةً لا تهتز بوعد الله.
*يمشي الزائر اليوم على الأثر، فيكتشف أن الخطى التي غيّرت مجرى التاريخ ما زالت قادرة على أن توقظ في القلوب معنى الرسالة، وأن الطريق الذي بدأ في صحراء الجزيرة ما زال يرسم للأمة دربًا من نور، ممتدًا من مكة إلى المدينة، ومن لحظة الهجرة إلى أفق الحضارة*.