النهار

١٥ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ فبراير-٢٠٢٦       13475

بقلم- محمد الفايز
لم تعد أزمة بعض الكتابات في ضعف اللغة أو ركاكة الأسلوب، بقدر ما أصبحت أزمة فكرةٍ غائبة، ورأيٍ متردد، ومسؤوليةٍ مؤجَّلة.

نحن اليوم أمام مشهد تتكاثر فيه الكلمات حتى كادت تزاحم المعنى، وتضيق المساحات رغم اتساع المنصّات.

فكلما زاد الضجيج، قلَّ الصوت الحقيقي.
مستنقع الكلمة يبدأ حين تتحوّل الكتابة من فعل وعي إلى فعل حضور، ومن صناعة موقف إلى صناعة صورة.

حين يصبح الهدف هو الظهور لا التأثير، والانتشار لا الإقناع، والتفاعل لا الإضافة.

عندها تتشابه النصوص كما تتشابه العناوين، ويغدو الرأي نسخةً مكرَّرة، والفكرة ظلًا باهتًا لما قيل بالأمس.
المفارقة أن الكلمة التي كانت يومًا أداة بناء أصبحت لدى البعض أداة تلميع، وأحيانًا وسيلة للمجاملة بالنَّسخ واللصق، أو منصّة لتمرير فوقيّةٍ وطبقيّة لا تشبه المجتمع ولا تعبّر عن نبضه. 
تُكتب المقالات بضميرٍ غائب عن الناس، وبوعيٍ غائب عن الواقع، فتبدو كأنها تدور في دائرةٍ مغلقة لا ترى إلا نفسها.
ولأن الكلمة سلطة معنوية، فإن إساءة استخدامها لا تقل خطرًا عن إساءة استخدام أي سلطة أخرى. 
فالكلمة المضلِّلة قد تصنع رأيًا زائفًا، والكلمة المتعالية قد تصنع فجوة، والكلمة الفارغة قد تقتل فكرة قبل أن تولد. 
وحين تتراكم هذه الممارسات، لا نصبح أمام ضعفٍ فردي، بل أمام ظاهرة تُثقل المشهد وتُربك الوعي، وخصوصًا في صحافة هذا الوقت .
ليس المطلوب أن تكون كل كتابة مناكفة، ولا أن يحمل كل مقال كشفًا عظيمًا، لكن الحد الأدنى أن تكون الكلمة صادقة مع فكرتها، منصفة مع واقعها، أمينة مع قارئها. 
فالكتابة ليست سباقًا في عدد الأسطر، بل امتحان في وزن المعنى.
في زمن السرعة، صار من السهل أن تكتب أي شيء، لكن الصعب أن تكتب شيئًا يستحق البقاء. 
ومن هنا يتشكّل الفارق بين كاتبٍ يصنع أثرًا، وآخر يصنع ضجيجًا. الأوّل يضيف فكرة، والثاني يضيف مساحة.
إن مستنقع الكلمة لا يتكوّن فجأة؛ بل يتشكّل تدريجيًا حين تُستبدل الجرأة بالمجاملة، والصدق بالمبالغة، والفكرة بالزخرفة. وحين يعتاد القارئ على القشور، تتراجع معايير الجوهر دون أن نشعر.
في النهاية، الكلمة إمّا أن تكون جسرًا نحو الوعي وبناء معرفي فيه حسّ الوطن حاضرٌ ومحبته، أو أن تتحوّل إلى دائرة مغلقة من الصدى. 
وبين الجسر والدائرة، يُختبر الكاتب وتُختبر رسالته.