بقلم - أحمد صالح حلبي
كلما تذكرت الماضي ، أخذت أقلب في صفحاته الجميلة ، لأستخرج منها لآلئ تذكرني بالدرر الثمينة المستخرجة من المحار، وقبل أيام وأنا أتنقل بين ماض قريب ومواقف جميلة ، تذكرت لقاءا صحفيا أجريته مع الأديب والمفكر الأستاذ عزيز ضياء ـ يرحمه الله ـ عام 1414 هـــ ، ونشر عبر صفحات جريـدة النـدوة مدرستي الصحفية الأولى .
ويومها تحدث الأستاذ / عزيز ـ يرحمه الله ـ بإسهاب عن حياته بمكة المكرمة ، قائلا : " الحياة في مكة كانت خالية من الكثير من الأشياء الموجودة في حياة الجيل الحالي ، فمثلا لم يكن هناك تلفزيون أو مسجل او مكيف هواء بل ولم يكن هناك ما يساعدنا على القضاء على الناموس ، ولم تكن هناك اضاءة كهربائية كان الاعتماد عليها على ما كان يسمى ( القاز ) وهو ( الكيروسين ) ، كانت أهم مسؤوليات السيدات في المنزل الحرص على مسح زجاجات اللمبات والفوانيس الهندية ، وهي الأكثر استعمالا اذ يسهل نقلها أو الانتقال بها من مكان إلى آخر " .
وواصل قائلا : " وفي شهر رمضان كان الاجتماع في البيوت ثم عند عبدالله عريف لما صار في جريدة البلاد ، وكنا أنا وحمز قنديل وعلي عامر وطاهر زمخشري والزيدان ، والزيدان كان ميسور الحال أكثر منا لأنه كان موظف في وزارة المالية وصديقا للشيخ محمد سرور الصبان اللهي يرحمه ظروفه كانت أحسن من ظروفنا بكثير ولكت كان يحضر الى صوت الحجاز التي تم تسميتها باسم البلاد السعودية " .
وعن طرق قراءة الكتب وكيف كانت تصلهم قال : ـ يرحمه الله ـ " أذكر أننا كنا نعجز عن استيراد الكتب التي يهمنا أن نقرأها والتي نقرأ في الصحف المتاحة أنها ظهرت في مصر أو في سوريا أو غيرها وكان لنا صديق هو الشيخ أحمد حلواني وكان له " دكان " صغير نسميه مكتبة وهو مطوف من جهة ، وصاحب هذه الكتبة من جهة أخرى ، ولذلك فلابد أن يسافر الى مصر في كل سنة ، فكنا نجمع أسماء الكتب التي نريد الاطلاع عليها ، ونذهب اليه ونطلب منه احضارها من القاهرة وهو لم يكن اميا وأيضا لم يكن حتى نصف متعلم ولكنه يقدر ويعرف تشوقنا ورغبتنا في قراءة الجديد من الكتب التي تظهر في العالم العربي ، فكان رحمه الله عليه يذهب الى مصر ويعود الينا بمجموعة الكتب التي طلبناها " .
وتناول الأستاذ عزيز ضياء ـ يرحمه الله ـ اجتماعات ولقاءات الأدباء في مكة المكرمة ، قائلا : " كانت لنا اجتماعات في مكة رغبة في التسلية وكانت التسلية الوحيدة هي الحوار والنقاش حول ما نقرأ ، وحول الشعر الذي كان الأستاذ العواد والأستاذ حمزة يحملان رايته وحولهما لفيف من المثقفين في مقدمتهم أحمد قنديل صديق حمزة ورفيق دربه وقد يصح أن يعتبر المنافس الأول له في اعماله الأدبية الكثيرة ومن المؤسف جدا ان القنديل لم يعط حقه من التكريم حتى اليوم مع أنه في تقديري جدير بات يكون في قمة الطليعة ممن يستحقون التكريم .
وكانت هذه الاجتماعات في المسفلة عند بركة ماجد وقد احتكرت رابية تشرف على هذه البركة وعلى مزارع باخطمه وسميتها ، الأولمبي ) ، كنا نقضي معظم الليالي في هذه الأولمبي يقصده حتى الأصدقاء من جدة كالمرحوم محمد سعيد عتيبي والمرحوم أحمد عباس ( الذي كنا نسميه " كوفي ويذ ميلك " ) لأنه كان يعرف الإنجليزية ويشرب القهوة بالحليب .
إن معاناة الرعيل الأول من الأدباء السعوديين من أمثال الأستاذ / عزيز ضياء وغيره ـ يرحمهم الله ـ لم تنحصر في الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي واجهتهم ، بل أيضا في غياب المظلة التي تمنحهم الفرصة لتنمية مواهبهم وتوظيف قدراتهم ، لذلك حينما " بدأت فكرت إنشاء أندية أدبية في المملكة العربية السعودية من اللقاء الذي عقده فيصل بن فهد بن عبد العزيز الرئيس العام للرئاسة العامة لرعاية الشباب بالرياض، في مايو 1975م الموافق 1395 هـ مع عدد من الأدباء والمثقفين من مناطق المملكة العربية السعودية، للتباحث في شأن صيغة مؤسسية لتفعيل الثقافة ورعايتها، وكان النقاش يدور حول سبل إحياء سوق عكاظ، وبعد تداول هذه الفكرة اقترح الأديب عزيز ضياء فكرة إنشاء الأندية الأدبية في المدن السعودية الكبيرة " ، ويمكن القول أن إطلاق مسمى الأندية الأدبية جاء من فكرة الأستاذ / عزيز ضياء ـ يرحمه الله ـ ، لكنه لم يفصح عنها أثناء لقائي به ليس سهوا ، بل ليبعث رسالة مضمونها أن الفكرة التي تطرح وتتحول إلى عمل هي ملك للمجتمع وليست لصاحبها ، وهذه وأحدة من دروسه التي ينبغي أن نستفيد منها .
@ashalabi1380