بقلم -ثامر الشهراني
لم تعد رؤية 2030 مجرد إطار إصلاحي أو برنامج حكومي، بل تحولت خلال أقل من عقد إلى تجربة تحول اقتصادي شاملة تعيد رسم موقع المملكة العربية السعودية في الاقتصاد العالمي، فالأرقام التي يكشفها تقرير عام 2025 لا تعكس نمواً تقليدياً، بل تشير إلى انتقال هيكلي متسارع من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد يقوده التنويع والاستثمار والابتكار، وهو تحول يفرض نفسه اليوم كأحد أبرز النماذج الصاعدة عالمياً.
وبيّن التقرير أن الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بلغ نحو 4.9 تريليون ريال، مدعوماً بنمو نوعي غير مسبوق للأنشطة غير النفطية التي باتت تشكل 55% من حجم الاقتصاد السعودي، وفي تحول هيكلي بارز، ارتفعت مساهمة القطاع الخاص إلى 51%، مدعومة بقفزة في الاستثمار الأجنبي المباشر الذي تجاوز 133 مليار ريال، ما مكّن المملكة من جذب أكثر من 700 شركة عالمية لاتخاذ المملكة مقراً إقليمياً لها، مع الحفاظ على صدارة الاستثمار الجريء إقليمياً للعام الثالث على التوالي، مما يعكس ثقة دولية متزايدة في البيئة الاستثمارية السعودية.
كما شهد قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة طفرة حقيقية، إذ ارتفع عددها بنسبة 300% ليصل إلى 1.7 مليون منشأة، ساهمت في توفير نحو 9 ملايين فرصة عمل، ودعم هذا النمو زيادة ملحوظة في التمويل البنكي لهذا القطاع الحيوي، الذي وصلت حصته إلى 11.3%، كما تجاوز عدد المصانع حاجز 12.9 ألف مصنع، ما يعزز من قدرة المملكة التصنيعية.
وعلى المستوى الاجتماعي، سجلت المملكة نموذجاً ملهماً في تمكين المرأة، حيث شغلت السعوديات 43.9% من المناصب الإدارية العليا والمتوسطة، وارتفعت مشاركتهن في سوق العمل إلى 35%، أما في ملف جودة الحياة، فقد ارتفعت نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن إلى 66.24%، مما يعكس استقراراً معيشياً غير مسبوق.
أما في قطاع الطاقة المستدامة، فقد قفزت القدرة الإنتاجية للطاقة المتجددة إلى 46 جيجاواط، وفي الوقت ذاته، بلغت أصول صندوق الاستثمارات العامة 3.41 تريليون ريال، مساهماً في خلق أكثر من مليون وظيفة مباشرة وغير مباشرة، وتواكب ذلك رفع نسبة توطين الصناعات العسكرية إلى 24.89%، مع تقدير قيمة الثروة المعدنية غير المستغلة بنحو 9.4 تريليون ريال.
ولم يكن القطاع السياحي ببعيد عن هذا التحول النوعي، بل برز كأحد أبرز محركات النمو الاقتصادي وأكثرها تسارعاً، فقد سجل إنفاق سياحي تجاوز 304 مليارات ريال، مدفوعاً بتنوع غير مسبوق في المنتجات السياحية التي شملت السياحة الثقافية والتراثية، والسياحة الترفيهية، والسياحة البيئية، إضافة إلى السياحة الدينية التي شهدت تطويراً كبيراً في الخدمات والبنية التحتية، وأسهمت مشاريع كبرى مثل نيوم، ومشروع البحر الأحمر، والقدية، وبوابة الدرعية، إلى جانب الوجهة التراثية العالمية العلا، في إعادة رسم خريطة السياحة في المملكة، وجذب شرائح جديدة من السياح الدوليين، كما تجاوز عدد العاملين في القطاع 1.2 مليون موظف، ما يعكس دوره الحيوي في خلق فرص العمل وتحفيز الاقتصاد المحلي، وأسهم هذا النمو المتسارع في تعزيز مكانة المملكة كوجهة سياحية عالمية صاعدة.
إن هذه الإنجازات ليست مجرد أرقام في تقرير، بل هي شهادة حية على نجاح رؤية 2030 في إعادة صياغة مستقبل المملكة، تحت القيادة الحكيمة والرؤية الثاقبة لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أصبحت السعودية منارة للابتكار والنمو المستدام، وقوة اقتصادية صاعدة تفرض واقعاً جديداً على الساحة الدولية، وتبشر بمستقبل أكثر سيادة وازدهاراً للوطن وأبنائه.