الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ سبتمبر-٢٠٢٥       16335

بقلم: وداد مسعد
غالبًا مايصادفنا مصطلح “الجرْد” في المجالات التي تخص المشاريع التجارية والمخازن، ويقصد به إحصاء وتتبع البضائع والسلع المتوفرة في مخزون المؤسسة أو الشركة، ولكن الجرْد لايخص عالم التجارة وحده؛ فلكلٍ منا مخازن داخلية تحتوي على الأفكار والمعتقدات والعادات والأهداف، والتي تستلزم المراجعة الشخصية بين الحين والآخر، فالتصفية الذاتية هي جرْد واعٍ، بمثابة تنظيف عميق لروح الفرد.

وأدركت في لحظاتٍ كثيرة أنني مثل ذلك التاجر الذي يراجع محتويات مخزونه، ويعيد ترتيب صفوفه؛ فكم من عاداتٍ أثقلتني أكثر مما نفعتني، وعلاقاتٍ استنزفت طاقتي بدل أن تغذيها.
فالفرز الشخصي هو مواجهة صريحة وقوية مع الذات: ما الذي يجب أن يبقى معي، وما الذي حان الوقت لأضعه خلفي؟ أي عادة لم تعد تخدمني لأتخلى عنها وأفسح المجال لعادات جديدة أكثر إشراقًا؟

إنها رحلة مستمرة وجردٌ متجدد، أزرع فيها بذورًا صغيرة تنمو على أرض أكثر نقاء وصفاء.
ولا يقتصر هذا الجرد على العادات والعلاقات فقط، بل يتسع ليشمل الطموحات والأهداف أيضًا؛ إذ إن إعادة النظر فيها خطوة ضرورية، فإما أن أتابع تحقيقها بوعي وإصرار، أو أستبدلها بأهداف أكثر انسجامًا مع روحي ومرحلة حياتي.

ولو تأملنا قليلًا في الأهداف لوجدنا أنها لا تتحقق إلا عبر عاداتٍ يومية صغيرة، فالعادات هي حجر الأساس، لذلك يصبح الجرد أعمق حين أفتش في تفاصيل يومي: أستبدل عادة “السهر حتى الفجر” بروتينٍ صباحي منظم، وأستبدل “التحديق في شاشة الهاتف قبل النوم” بقراءة كتاب أو بضع صفحات من القرآن الكريم. وأتعلم أن أستبدل عادة “مقارنة نفسي بالآخرين” بالتركيز على خطواتي الخاصة مهما كانت بسيطة.

وعند الانتهاء من تصفية الأهداف والعادات والعلاقات، أصل إلى أعماق أعمق: طريقة التفكير نفسها، هنا يصبح الجرد الداخلي أكثر رهافة، فأتعلم أن أتخلى عن “جلد الذات” في مواجهة الأخطاء، وأستبدله بالرحمة والتقدير الذاتي، وكأنني أضع مرهمًا على جرحٍ قديم.

وفي النهاية، أكتشف أن الجرد الشخصي ليس مجرد عملية فرز أو تخلٍ، بل هو فعل حب للذات، وإفساح مجال لما هو أجمل وأصدق أن ينمو في داخلي، إنها دعوة لأعيش بخفة أكبر، وصفاء أعمق، ونية أوضح لما أريده حقًا في طريقي القادم.