النهار
بقلم : حمد حسن التميمي
قبل قرارك التالي، جرب أن تُبطئ عمداً. ليس تراجعاً عن الهدف، بل إعادة ضبطٍ للتوقيت والطريقة كي لا تدفع ثمناً باهظاً لاحقاً.
“الهزيمة المؤقتة” هنا ليست انسحاباً، بل خطوة واعية تعيد تشكيل شروط الفوز حتى يصبح قابلاً للاستمرار وبأقل نزيف ممكن. عندما تؤخر خطوة، أنت لا تتنازل عن حلمك، بل تمنحه طريقةً تشبهك ليتحقق دون أن يستهلكك.
من هذه الوقفة الهادئة يتكون وضوح لا تمنحه السرعة. ترى أين تتسرب ساعاتك، وأين تتحول المعارك الصغيرة إلى استنزاف كبير. تغلق ما لا يضيف، لا لأنك هُزمت، بل لأنك صرت تعرف ما يستحقك فعلاً.
كلمة “لا” التي كانت ثقيلة تتحول إلى احترام ذاتي يحمي تركيزك، ويعيدك إلى سؤال البداية: لماذا بدأت؟ ومع كل إجابة صادقة، يخفّ الضجيج في الداخل وتصبح الخطوة التالية أهدأ وأدق، هنا يأتي الصدق الذي يوجع ويشفي معاً: تسمية الأخطاء بأسمائها.
الاعتراف لا يجرحك، هو فقط يختصر الطريق. تقول: هذا لا يعمل الآن، وهذا يحتاج تعديلاً، وهذا يستحق مضاعفة الجهد.
تدفع ثمناً صغيراً اليوم بدلاً من نزيفٍ بطيء غداً، ومع كل مراجعة نزيهة، يخفت جلد الذات ويعلو صوت الفهم؛ تفهم كي تصحح، لا كي تعاقب، وحين يتحوّل الفهم إلى قرار، تتحرر من الحاجة المستمرة لإقناع الآخرين بما تفعل، لأن الأثر يبدأ بالظهور على هدوء، ثم تتبدل معايير الفوز داخلك، لم يعد يكفي أن تكسب جولة وتخسر نفسك في المقابل.
تبحث عن انتصار يمكن الاستمرار فيه، عن إيقاع يسمح لك أن تنام مرتاح الضمير وتستيقظ على خطة لا تحتاج تبريراً كل صباح. هذا التحول وحده يعيد ترتيب أولوياتك ويقلل التشتيت، ويجعل خياراتك تميل لما له أثر حقيقي لا لما يلمع لحظة ويختفي.
وعندما تنتقل من الفكرة إلى الفعل، تتعلم فن التجربة الصغيرة قبل الرهان الكبير. تختبر على نطاق محدود، تدون ما نجح وما لم ينجح، وتكرر بذكاء حتى تتكون لديك طريقة يمكن الاعتماد عليها.
بهذه الآلية تتحول “الخسارة” إلى تكلفة تعلم معقولة، وتتحول “الفرصة” من أمنية إلى نتيجة تُقاس وتُرى. وبين كل تجربة وأخرى، تنضج حاستك في اختيار المعارك، وتزداد مرونتك في تعديل المسار من دون دراما.
على الطريق، تتبدى لك ملامح الناس بوضوح أهدأ.
التراجع يكشف من يبقى لأنك أنت، لا لأنك منتصر اليوم، هؤلاء رصيدك النفسي والفكري، يثبتون المعنى حين يهتز الإيقاع، ويذكرونك أن القيمة في الاستمرار لا في الصخب.
ومعهم، تصير قراراتك أكثر وفاءً لما تريده فعلاً، لا لما يُنتظر منك ظاهرياً.
تخيل الآن ما يمكن أن يكون بعد عام وثلاثة وخمسة.
صباح لا يطالبك بإثبات شيء لأحد. مشاريع كانت ضبابية تتضح لأنك جزأتها وامتحنتها دون خوف.
تخاطر بوعي، تُخطئ بسرعة، تتعلم أسرع، حتى تتراكم الخطوات الصغيرة وتفتح فجأة قفزة كبيرة لم تكن ممكنة من قبل. قد ترى باباً ظل مغلقاً يلين لأنك بدلت المفتاح بدل أن تكسر المقبض.
هنا تدرك أن “برمجة الهزيمة” كانت في الحقيقة كوداً صغيراً غير قواعد اللعبة لصالحك.
وعند العتبة التي ظننتها خاتمة، يظهر الوعد كما بدأ: القرار الذي يخدمك هو الذي تستطيع أن تعيش معه.
وإذا لزم الأمر أن تخسر قليلاً اليوم لتربح كثيراً لاحقاً، فافعلها بثقة وكرامة.
ما يبقى ليس تصفيق المنصات، بل سكينة إنسان يعرف أن طريقه صار يطابق قلبه. هذه هي الهزيمة المؤقتة حين تُبرمج بوعي: لا تكسرُك… بل تخدمك.
Instagram: hamadaltamimiii