النهار
بقلم - د. خالد بن يحيى القحطاني
ظاهراً بعض المؤسسات تبدوا في قمة نجاحها -أرقام انجاز عالية، جوائز، وخطاب مليء بالثقة، لا مشاكل ولا عقبات .. كل شيء يوحي بأن الطريق آمن ومستقر.
لكن بعد سنوات قليلة، تختفي هذه المؤسسة من الصدارة، ويتقدم غيرها، وتتحول قصتها إلى درس في (كيف يسقط الكبار ؟ )
السؤال هنا ليس متى سقطت، بل: متى بدأت أسباب السقوط؟
أندي غروف -الرئيس التنفيذي السابق لإنتل - يقول في كتابه Only the Paranoid Survive الانهيار لا يبدأ عند الأزمة، بل قبلها بكثير (في لحظات صغيرة لا يلتفت لها أحد) لحظات يتغير فيها شيء ما في السوق، أو في التكنولوجيا، أو في سلوك العملاء أو في غيرها من العوامل للخارجية او الداخلية لكن المؤسسة كانت تراه أمراً عابرًا لا يستحق القلق.
غروف يسمي هذه اللحظة بـ (نقطة الانعطاف الاستراتيجية) وهي ليست أزمة مؤقتة، بل تغيير في قواعد اللعبة نفسها. عندها يصبح الاستمرار بنفس الأسلوب القديم خطرًا، حتى لو كانت النتائج الحالية لا تزال جيدة. المشكلة أن هذه النقطة لا تعلن عن نفسها بوضوح، بل تظهر كإشارات ضعيفة في الميدان، يلتقطها الموظفون القريبون من العملاء قبل أن تصل متأخرة إلى الإدارة العليا.
وحينها تمر المؤسسة بثلاث مراحل وهي :
1-الإنكار: التراجع مجرد ظرف عابر، والسوق سيعود كما كان.
2-الدفاع: إلقاء اللوم على المنافسين أو القوانين أو على أي أمر آخر مع الإصرار على الأساليب القديمة نفسها.
3-الارتباك: الوصفات التي نجحت سابقًا لم تعد تعمل، وتتزايد المبادرات بلا اتجاه واضح، إلى أن يفرض السؤال نفسه: هل المشكلة مؤقتة، أم أن النموذج كله لم يعد صالحًا؟
وهكذا يتحول النجاح السابق إلى عبء نفسي؛ فكلما كانت القصة الماضية أقوى، كان التشكيك فيها أصعب.
المفارقة الغريبة هنا هي أن القائد سيكون (غالبًا) آخر من يدرك عمق التحول، لا لضعف رؤيته، بل لأن المعلومات تصل إليه (مُهذّبة) ومخففة.
يشرح غروف الأمر بفكرة (التغير ×10): أحيانًا لا يتغير السوق بنسبة بسيطة يمكن إصلاحها، بل يقفز قفزة كبيرة تجعل الافتراضات القديمة بلا قيمة. هنا لا يعود السؤال: كيف نُحسّن أداءنا؟ بل: هل ما زال هذا النموذج مناسبًا أصلًا؟
الأخطر أن هذا التهديد لا يكون دائمًا صاخبًا. قد يكون بطيئًا وناعمًا، تنسجه الثقافة الداخلية، أو أنظمة الحوافز، أو الاستخفاف بالمنافسين الجدد. أحيانًا تكون المؤسسة هي من يمول سقوطها، وهي تظن أنها تحمي نجاحها.
من هنا نفهم معنى العبارة: (وحدهم المرتابون ينجحون)الارتِياب هنا ليس خوفًا مرضيًا، بل (يقظة)دائمة. أن تحتفل بنجاحك، لكن لا تثق به ثقة عمياء. أن تسأل وأنت في القمة: ماذا لو كان هذا النجاح مؤقتًا؟ ماذا نغفل عنه الآن؟ وما الذي قد يصبح عبئًا علينا بعد سنوات؟
بهذا المعنى، يصبح( الابتكار )ضرورة لا ترفاً . وسيلة لحماية المؤسسة من (فخ ) نجاحاتها، وبناء مستقبلها قبل أن يُفرض عليها التغيير وهي في موقع أضعف. فالخطر الحقيقي ليس في منافس يظهر فجأة، بل في فرصة كان يمكن أن تولد داخل المؤسسة لو أنها شكّت في نجاحها قليلًا، في الوقت.