النهار

٠٢ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٢ فبراير-٢٠٢٦       4785

بقلم - الدكتور. محمد الحقيب الغامدي

لم يعد الإنسان في نظر العلم الحديث كائنا ينحصر شعوره وفهمه في الدماغ وحده .
 بل أصبح الجسد كله مساحة للإدراك والتأثر والتفاعل .

 ومن أعمق ما توصل إليه الباحثون في العصر الحديث ما عُرف بنظرية العقل الثاني وهي نظرية كشفت أن داخل الإنسان شبكة عصبية كاملة تعمل بهدوء وتؤثر في مزاجه وقراراته وشعوره الداخلي وكأن الجسد يشارك العقل رحلة الفهم والاختيار .
تُعرف هذه النظرية علميا باسم الجهاز العصبي المعوي وهو نظام عصبي مستقل نسبيا يبطّن الجهاز الهضمي ويحتوي على مئات الملايين من الخلايا العصبية ويتواصل باستمرار مع الدماغ عبر مسارات دقيقة جعلت العلماء يعيدون النظر في مفهوم التفكير والشعور الإنساني .
يُعد العالم الأمريكي Michael Gershon ( مايكل غيرشون ) من أبرز من نظّر لهذه الفكرة في صورتها الحديثة وقد قدمها للعالم بشكل علمي واضح من خلال كتابه الشهير The Second Brain ( العقل الثاني ) الصادر عام 1998 ميلادي أثناء عمله أستاذا للطب في Columbia University ( جامعة كولومبيا ) في الولايات المتحدة الأمريكية .

حيث بين أن الأمعاء ليست جهاز هضم فحسب بل مركز عصبي مؤثر .
أثبتت الأبحاث أن هذا الجهاز العصبي ينتج ما يقارب خمسة وتسعين في المئة من السيروتونين في الجسم وهو الهرمون المرتبط بالطمأنينة والراحة النفسية ولهذا لم تعد اضطرابات القلق والاكتئاب والتوتر حالات نفسية مجردة بل بات لها ارتباط وثيق بصحة الجهاز الهضمي وحالته وهذا ما يفسر علميا ما اعتاد الناس تسميته حدس البطن أو الشعور الداخلي .
وقبل أن يصل العلم الحديث إلى هذه النتائج بقرون طويلة كان الوحي قد أشار إلى أن الفهم والإدراك ليسا محصورين في الدماغ وحده بل مرتبطين بما في الصدور من إحساس داخلي عميق قال الله تعالى :
﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ .

وقال سبحانه :
﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾.
وهذا الربط القرآني بين القلب والفهم يفتح بابا واسعا للتدبر في أن الإدراك الإنساني أعمق من كونه عملية ذهنية صرفة .
وجاءت السنة النبوية مؤكدة لهذا المعنى حين قال ﷺ :
[ ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ] متفق عليه .
وقال ﷺ :  [ البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب ] حديث حسن .
وهذا الاطمئنان الداخلي الذي عبر عنه النبي ﷺ هو ذاته ما يحاول العلم الحديث تفسيره بلغة الأعصاب والهرمونات .
إن ما يكتشفه العلماء اليوم لا يأتي مناقضا للوحي بل كاشفا لوجه من وجوه إعجازه .
فكل اكتشاف صادق هو نافذة جديدة للتدبر في كتاب الله . وكل بحث علمي نافع يزيد المؤمن يقينا بأن هذا القرآن لم يترك حقيقة كبرى إلا وأشار إليها تصريحا أو تلميحا .
فإذا كان العلماء يبحثون ليصلوا فإن المؤمن يتدبر ليزداد إيمانا ويوقن أن العلم الحق لا يقود إلا إلى الله وأن الوحي كان سابقا وسيبقى هاديا ومطمئنا للقلوب .

﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتة .