الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ يونيو-٢٠٢٥       16005

‏بقلم- ثامر ابن سعران السبيعي 

‏في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتداخل فيه القيم، تبرز النعمة كمفهوم يحمل في طياته الامتنان والتواضع، لكن سرعان ما يتحول إلى أداة للتفاخر والتكبر المصطنع عندما يُساء فهمها، هذا التكبر، الذي يبدو كقناع لامع يخفي هشاشة نفسية عميقة، غالبًا ما يتجذر في نفوس من يفقدون كرامتهم، أو بالأحرى، من يختارون التخلي عنها مقابل مكاسب زائلة، إن العلاقة بين النعمة المغدورة، التكبر المصطنع، الهشاشة النفسية، وفقدان الكرامة ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل هي انعكاس لصراع داخلي واجتماعي يستحق التأمل العميق.

‏النعمة، في جوهرها، هي عطاء إلهي يُفترض أن يقود الإنسان إلى الشكر والتواضع، لكن عندما تُستخدم كوسيلة لإثبات الذات أو التفوق على الآخرين، تتحول إلى عبء نفسي يُثقل كاهل صاحبها، الشخص الذي يتباهى بماله، مكانته، أو حتى مظهره الخارجي، لا يفعل ذلك من منطلق قوة داخلية، بل من شعور دفين بالنقص، هذا التكبر المصطنع ليس إلا محاولة يائسة لملء فراغ عاطفي أو وجودي، محاولة لإقناع النفس قبل الآخرين بأن هناك قيمة تستحق التقدير، لكنه قناع هش، يتصدع بسهولة عند أول مواجهة مع النقد أو الرفض، ليكشف عن نفسية هشة تتأرجح بين التبجح الزائف والانهيار الداخلي.

‏الهشاشة النفسية، ذلك الجرح الخفي الذي يعاني منه الكثيرون، تتغذى على افتقاد الثقة الحقيقية بالنفس، الشخص الهش يعيش في حالة دفاع دائم، يرى في كل نظرة أو كلمة تهديدًا لكيانه، هذا الشعور بالتهديد يدفعه إلى تبني التكبر المصطنع كدرع واقٍ، لكنه درع من زجاج، يحمي ظاهريًا لكنه يتحطم بسهولة، ما يجعل هذه الحالة أكثر تعقيدًا هو ارتباطها بمن يفقدون كرامتهم، أو بالأدق، من يختارون التضحية بها طوعًا، فمن هو الذي يسترزق بدفع كرامته؟ إنه الشخص الذي يتنازل عن مبادئه، يقبل الإهانة، أو يسعى وراء مكاسب مادية أو اجتماعية على حساب قيمه، هذا الشخص، سواء كان يتزلف لمن هم أعلى منه مكانة، أو يتخلى عن كبريائه للحصول على فتات المنافع، يجد نفسه في دوامة من الشعور بالدونية، لكنه، بدلاً من مواجهة هذا الشعور واستعادة كرامته، يلجأ إلى التكبر المصطنع كوسيلة لاستعادة صورة ذاتية مهزوزة.

‏إن العلاقة بين فقدان الكرامة والتكبر المصطنع تكمن في الفراغ الروحي والنفسي الذي يخلفه التخلي عن الذات، الشخص الذي يسترزق بدفع كرامته—سواء بالتملق، أو قبول الذل، أو التفريط في القيم—يفقد الاتصال بجوهره الإنساني، هذا الفقدان يولد شعورًا بالعجز والنقص، فيحاول تعويضه بإظهار تفوق زائف، يتباهى بنعمة ليست له في الأصل، أو يتفاخر بمكانة بناها على أنقاض كرامته، لكن هذا التفاخر لا يمنحه السلام الداخلي، بل يزيد من هشاشته النفسية، لأنه يعلم في قرارة نفسه أن قيمته الحقيقية ليست فيما يملك، بل فيما تخلى عنه: كرامته.

‏السؤال الجوهري هنا: لماذا يختار البعض دفع كرامتهم؟ الإجابة تكمن في تقاطع الضغوط الاجتماعية والنفسية، في مجتمعات تُعلى من قيمة المظاهر والماديات، يصبح الحفاظ على الكرامة ترفًا لا يستطيعه الجميع، الخوف من الفقر، الرغبة في القبول الاجتماعي، أو الطمع في مكانة زائفة، كلها دوافع تدفع الإنسان للتخلي عن مبادئه، لكن هذا الاختيار له ثمن باهظ: نفسية مهزوزة تعيش في صراع دائم بين الظهور بمظهر القوة والشعور الداخلي بالضعف، الشخص الذي يسترزق بدفع كرامته يجد نفسه محاصرًا في دورة من التكبر المصطنع لإثبات وجوده، والهشاشة النفسية التي تجعله ينهار عند أول اختبار حقيقي.

‏هذا الصراع ليس فرديًا فحسب، بل له انعكاسات اجتماعية. المجتمع الذي يشجع على المظاهر ويُغفل القيم يُنتج أفرادًا يعانون من هذا التناقض، النعمة، التي كان يُفترض أن تكون مصدرًا للتواضع والامتنان، تصبح أداة للتفاخر والتنافس، الكرامة، التي هي أساس العزة الإنسانية، تُضحي سلعة تُباع وتُشترى في سوق المصالح، والنتيجة هي مجتمع يعاني من فقدان الثقة الحقيقية، حيث يحل التكبر المصطنع محل القوة الداخلية، والهشاشة النفسية محل الاستقرار العاطفي.

‏لكن هل هناك مخرج من هذه الدوامة؟ الإجابة تكمن في العودة إلى الذات، استعادة الكرامة تبدأ من الشجاعة لمواجهة النفس، الاعتراف بالنقص، والعمل على بناء ثقة حقيقية لا تعتمد على التقدير الخارجي، الامتنان للنعمة، عندما يكون صادقًا، يُحرر الإنسان من الحاجة إلى التفاخر، لأنه يزرع شعورًا بالرضا الداخلي، والأهم من ذلك، الحفاظ على الكرامة—حتى في مواجهة التحديات—يمنح الإنسان قوة لا تتزعزع، قوة تجعله قادرًا على مواجهة العالم دون الحاجة إلى أقنعة التكبر المصطنع.

‏في النهاية، النعمة ليست للتفاخر، والكرامة ليست للبيع. من يدرك هذه الحقيقة يتحرر من عبء الهشاشة النفسية ووهم التكبر المصطنع، أما من يختار دفع كرامته، فسيظل أسير صراعه الداخلي، يبحث عن قيمة في عالم لا يعترف إلا بالمظاهر، بينما الحقيقة تظل واضحة: الكرامة هي النعمة الحقيقية، ومن يفقدها، يفقد نفسه.