الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ يونيو-٢٠٢٦       3520

بقلم- شاهر السلمي

لطالما كانت أوبك موضع سؤال الباحثين المهتمين بسلوك الدول، لماذا تتكتل الدول المنتجة للنفط؟ الإجابة تطول، ولكن بالمختصر المفيد، تعلمت هذه الدول أن الإنتاج المفتوح دون قيود يضر بها في المقام الأول. فجميع الدول تبحث عن سعر عادل تستطيع من خلاله تحقيق عائد مستدام لخزينتها، فالموازنة بين العرض والطلب لن تتحقق إلا من خلال التعاون بين كافة المنتجين وأوبك هي هذه المظلة التي تضمن التعاون واستدامة الصناعة النفطية. ولفهم سلوك الدول داخل تلك التحالفات والتكتلات تبرز "نظرية الألعاب" كأداة لتفكيك تعقيدات الظاهرة.
ولعل معضلة السجين (Prisoner’s Dilemma) توضح آلية عمل أسواق النفط دون وجود تنظيم او مظلة (أي دون منظمة أوبك)، حيث تنص النظرية على أن التعاون قد لا يحدث عادة، حتى وإن كان هو الخيار الأفضل للأفراد أو الدول. ولتوضيح الصورة تخيل أن الشرطة ألقت القبض على مجرمين (مجرم أ ومجرم ب) للاشتباه في ارتكابهما جريمة كبرى معاً، ولكنها لا تمتلك أدلة كافية لإدانتهما. يتم وضع السجينين في غرف تحقيق مستقلة دون وجود أي وسيلة تواصل بينهما. هنا تبرز أربعة سيناريوهات محتملة لقراراتهما:

 
السيناريو الأول: يعترف السجين (أ) بقيامهم بالجريمة، ويصمت السجين (ب) وتكون النتيجة براءة لـــــ (أ) و٥ سنوات سجن لــــــ (ب).
السيناريو الثاني: يعترف السجين (ب) بقيامهم بالجريمة، ويصمت السجين (أ) وتكون النتيجة براءة لـــــ (ب) و٥ سنوات سجن لــــــ (أ).
السيناريو الثالث: لا يعترف كلا السجنين "يلتزمان الصمت"، النتيجة عدم إدانة ولا تقع عقوبة. (تعاون الطرفين)
السيناريو الرابع: يعترف كليهما بقيامهم بالجريمة، النتيجة ١٠ سنوات سجن لهما. (عدم تعاون الطرفين)
من هذا، يتضح أن خيار الاعتراف مغري لكلا السجينين. ولعل غياب وسيلة الاتصال بينهما تزيد من أزمة الثقة وتجعل كل طرف يفضل "الاعتراف" كخيار أنسب في ظل عدم الثقة في قرار الطرف الاخر. وعلى الرغم من أن الصمت هو الخيار الأمثل والافضل لكل طرف لتحقيق نتيجة (عدم إدانة)، إلا أن غياب التواصل يجعل الأطراف في "أزمة ثقة" وسيقودهم ذلك إلى الخيار الأكثر ضرراً لهما وهو الاعتراف والسجن الى ١٠ سنوات (العقوبة الاكبر).
ولكن في الواقع عند إسقاط هذه المعضلة على الدول، نجد أن عامل التكرار تم إهماله. فمعضلة السجين في صورتها الكلاسيكية تفترض حدوث الموقف لمرة واحدة فقط، مما يجعل "الاعتراف" هو الخيار الأسهل. أما في أسواق النفط، فالدول تتفاعل في "لعبة متكررة" ومستمرة، فالقرار الذي تتخذه الدولة اليوم ستواجه عواقبه غداً. ورغم أننا نعيش في نظام عالمي فوضوي تحكمه المصلحة الفردية وهاجس البقاء للأقوى، إلا أن الأزمات أثبتت للدول المنتجة للنفط أن القرارات المنفردة والأنانية المطلقة تقود الى انهيار الأسعار. ولعل حرب الأسعار بين روسيا والمملكة العربية السعودية في عام ٢٠٢٠ دليل على ذلك. ومن هنا، أدركت هذه الدول أن حماية مصالحها لا تتحقق إلا من خلال التعاون، فبرزت أوبك وأوبك بلس "كطاولة للتواصل" لتلغي أزمة الثقة، ويصبح التعاون أداة لتحقيق المصلحة الوطنية للمنتجين.
لا يعني ذلك إطلاقاً بأن منظمة أوبك لا تواجه تحديات جوهرية، فسلوك الدول كالأفراد احياناً يكون غير منضبط وخاصة تلك المتعلقة بتعظيم المنافع الشخصية، وهو ما يعرف اصطلاحاً بمشكلة "الراكب المجاني". ويأخذ هذا التحدي شكلين رئيسين:
الأول: بقاء الدولة داخل المنظمة مع عدم التزامها الفعلي بحصص الخفض المقررة رغبةً في تحقيق أرباح مضاعفة.
الثاني: وهو الأخطر في اعتقادي، عندما تقرر دولة ذات قدرة إنتاجية عالية الانسحاب كلياً من أوبك. هذا الانسحاب يتيح لها الإنتاج بأقصى طاقة والاستفادة من الأسعار المرتفعة.
فخروج دول ذات قدرة إنتاجية يشكل تهديداً حقيقياً يضر بالتوزيع العادل للحصص، حيث تستفيد الدولة المنسحبة من تسعير أوبك دون الالتزام بالحصص والقيود، مما يلقي بعبء حصتها في الأسواق على الدول الأعضاء. وتكمن خطورة مشكلة "الراكب المجاني" على المدى البعيد في أن الدول الأعضاء ستشعر بالاستنزاف من تحمل العبء، وهو ما قد يدفعها لاتخاذ قرار "انتقامي" بزيادة الكميات (إغراق السوق وانهيار الأسعار).
ولمواجهة هذا التحدي (أي الراكب المجاني)، يجب على المنظمة إعادة هيكلة هذا التكتل ورفع درجة إلزاميته بزيادة عوائد الانضمام وزيادة تكاليف الخروج، فنجاح أوبك يعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها في ضبط الداخل (أي الدول المنتجة للنفط) قبل مواجهة تقلبات الأسواق في الخارج.