الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ يونيو-٢٠٢٦       3190

بقلم- حامد جعفر المالكي​​
في أروقة إحدى كليات الفنون الجميلة، جلس شاب يراقب يده وهي ترتجف بشكل لا يمكن السيطرة عليه. كان تشخيص الطبيب صادمًا: تلف دائم في الأعصاب. بالنسبة لرسام طموح، كانت هذه نهاية العالم؛ فكلما حاول رسم خط مستقيم، تحول إلى تعرجات فوضوية. لسنوات، انتظر هذا الشاب أن تتغير الظروف، أن يشفى، أو أن يجد أداة تثبت يده، لكن دون جدوى.
وفي لحظة يأس، قال له طبيبه جملة غيرت حياته: لماذا لا تعتنق هذه الرعشة؟
هنا حدث التحول. توقف الشاب عن محاولة الرسم بالطريقة التقليدية المكتملة، وبدأ يبتكر فنًا يعتمد بالكامل على النقاط والخطوط المتعرجة، مستخدمًا أدوات غير مألوفة كأعواد الثقاب وأقدام الدجاج المغموسة بالحبر. هذا الفنان، فيل هانسن (Phil Hansen)، أصبح لاحقًا أحد أشهر الفنانين العالميين ومتحدثي TED شهرة. لم يولد إبداعه عندما كانت ظروفه مثالية، بل ولد تمامًا في اللحظة التي تلاشت فيها كل الخيارات المعتادة.
تقودنا قصة "هانسن" إلى تفكيك واحدة من أكثر الأفكار انتشارًا وزيفًا في عالمنا المعاصر: أن الإبداع يحتاج إلى بيئة مثالية، ووقت مناسب، وهدوء مُطبق، وموارد مالية لا تنضب، واستقرار كامل. لقد رسخت الثقافة العامة صورة نمطية للمبدع الذي لا يأتيه الإلهام إلا وهو يرتشف قهوته في كوخ ريفي هادئ، وكأن الأفكار العظيمة لا تظهر إلا حين تكون كل ظروف الحياة في صالحك.
لكن الواقع والتاريخ الإنساني يثبتان العكس تماماً؛ فالإبداع، في كثير من الأحيان، لا يولد من رحم الوفرة، بل من قلب النقص. إنه لا يظهر حين تكون كل الأبواب مشرعة أمامه، بل حين تُغلق معظمها؛ عندها فقط يستيقظ العقل من خموله المعتاد ويبدأ في البحث عن طرق بديلة ومبتكرة. فعندما لا تتوفر الإمكانيات تظهر الحيلة، وعندما تضيق الخيارات يتوسع التفكير. وحين تتعثر الطرق المعتادة، يبدأ السؤال الجوهري الذي يحرك التاريخ: ماذا يمكن أن أفعل بطريقة أخرى؟.
المشكلة الحقيقية التي تواجه المجتمعات والمؤسسات اليوم ليست في غياب المبدعين، بل في الطريقة القاصرة التي ننظر بها إلى الإبداع نفسه. هناك جانب مظلم ونادرًا ما يُذكر في أدبيات النجاح: الإبداع يحتاج إلى شجاعة قبل أن يحتاج إلى ذكاء.
ولا نقصد هنا شجاعة القيام ببطولات كبرى، بل شجاعة البدء بعمل غير مكتمل، وشجاعة طرح فكرة قد تبدو سخيفة في نظر الآخرين، وشجاعة تحمل مسؤولية تجربة تحتمل الفشل بنسبة كبيرة.
ولهذا السبب تحديدًا، يفضل أغلب البشر البقاء داخل منطقة الراحة (صومعة الراحة) ودائرة المألوف؛ ليس لأنهم يفتقرون إلى الأفكار، بل لأنهم لا يملكون الشجاعة لخوض تجربة غير مضمونة العواقب. لكن المفارقة التاريخية الواضحة هي أن كل ما نراه اليوم عظيماً، مميزاً، وبديهياً، كان في يوم من الأيام مجرد فكرة مجنونة وغير مضمونة.
في النهاية، الفارق الحقيقي في هذا العالم لا يصنعه من يملك أفضل فكرة في رأسه، بل يصنعه من يملك الشجاعة ليمنح فكرته الفريدة فرصة لكي تنمو على أرض الواقع. الإبداع ليس ومضة إلهام سحرية ننتظرها، بل هو عملية مستمرة وديناميكية، ومن يستوعب هذه اللعبة جيدًا، لن ينتظر الظروف حتى تحنو عليه، بل سيبدأ معركته الآن.. بالظروف المتاحة كما هي.