الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ يونيو-٢٠٢٦       2145

بقلم: د. منصور بن حلمي المطيري

عندما يُطرح موضوع تنظيم الرعي، ينصرف ذهن البعض إلى كونه إجراءً تنظيمياً يقتصر على تحديد مواقع محددة للرعي أو إصدار تصاريح الرعي. غير أن النظرة الوطنية الاستراتيجية ضمن رؤية المملكة 2030 تبين لنا أن تنظيم الرعي يمثل ثلاث ركائز وطنية هي الأمن الغذائي واستدامة الثروة الحيوانية وحماية وإدارة الغطاء النباتي والموارد الطبيعية، وهذه الجهود تتكامل معالمشروع الوطني السعودية الخضراء.

شكلت المراعي الطبيعية عبر التاريخ المصدر الرئيسي لتغذية الحيوانات الرعوية، ولا تزال حتى اليوم تمثل ركيزة أساسية في دعم قطاع الثروة الحيوانية من خلال توفير جزء مهم من احتياجاتها الغذائية والحد من الاعتماد على الأعلاف. إلا أن هذه المراعي واجهت خلال العقود الماضية ضغوطاً متزايدة نتيجة الرعي الجائر والتغيرات المناخية وتدهور الغطاء النباتي، مما أدى إلى انخفاض إنتاجيتها وقدرتها على الإسهام في دعم الإنتاج الحيواني.

من هنا، فإن المحافظة على المراعي الطبيعية تتجاوز كونها قضية بيئية، لتصبح قضية ترتبط بالأمن الغذائي والاستدامة الاقتصادية. فالمراعي تشكل جزءاً من منظومة إنتاج الغذاء في المملكة، ودعم الثروة الحيوانية وتحسين كفاءة الإنتاج وتقليل الضغط على سلاسل إمداد الأعلاف. كما أن تحسن حالة المرعى وزيادة كثافة الغطاء النباتي به وتنوعه ينعكس إيجاباً على جودة تغذية الحيوانات، ويخفض الحاجة إلى الأعلاف، مما يسهم في تقليل تكاليف الإنتاج على مربي الماشية وتعزيز استقرار إنتاج المنتجات الحيوانية. ولهذا فإن برامج تأهيل المراعي وتنظيم الرعي تمثل استثماراً طويل الأمد في أمننا الغذائي الوطني واستدامة الثروة الحيوانية.

إن تنظيم الرعي يحقق معادلة هامة تتمثل في التوازن بين الاستفادة من الموارد الطبيعية والمحافظة عليها. فمفهوم الحمولة الرعوية، على سبيل المثال، لا يهدف إلى تقييد نشاط المربين بقدر ما يسعى إلى ضمان استدامة المرعى وقدرته على التجدد والإنتاج المستمر. كما أن تطبيق الرعي الدوري ومنح النباتات فترات كافية للنمو يرفع من إنتاجية المراعي على المدى الطويل ويحافظ على خصوبة التربة ويحد من التصحر.

ويأتي إعلان المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر مؤخراً عن إتاحة 84 موقعاً للرعي بمساحة تتجاوز 2.4 مليون هكتار ليعكس نجاحاً ملموساً لبرامج إدارة الموارد الطبيعية. فهذه الخطوة تؤكد أن المملكة تنتقل من مرحلة معالجة التدهور البيئي إلى مرحلة الإدارة المستدامة للمراعي.كما تتناغم هذه الجهود بشكل مباشر مع مستهدفات مبادرة السعودية الخضراء. فالمراعي المتعافية تسهم في تثبيت التربة، وتحسين التنوع الحيوي، ورفع كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، وهي جميعها أهداف استراتيجية تتجاوز البعد البيئي لتشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية وتنموية.

ونجاح تنظيم الرعي لا يعتمد على الأنظمة والتشريعات وحدها، بل يحتاج إلى شراكة حقيقية بين الجهات الحكومية ومربي الماشية والباحثين والمهتمين بالبيئة. فالمحافظة على المرعى اليوم تعني المحافظة على مورد إنتاجي وغذائي للأجيال القادمة، وتعني كذلك حماية استثمارات ضخمة ضختها الدولة في برامج التأهيل البيئي وتنمية الغطاء النباتي.

لذا، فإن تنظيم الرعي ليس مجرد مشروع بيئي، بل هو نموذج وطني متكامل يجمع بين حماية الموارد الطبيعية وتعزيز الأمن الغذائي ودعم استدامة الثروة الحيوانية. وكلما ارتفع مستوى الالتزام به، اقتربنا أكثر من تحقيق تنمية ريفية أكثر كفاءة وبيئة أكثر ازدهاراً.