المصدر : النهار
التاريخ: ٠٦ نوفمبر-٢٠٢٦       5390

بقلم : حمود بخيت الزهراني

لم يعد الحديث عن المرأة السعودية في المشهد الاقتصادي حديثاً عن حضورٍ ينتظر فرصته، أو قدراتٍ تبحث عن مساحة لإثبات ذاتها، بل أصبح حديثاً عن شريك فاعل في التنمية، وقوة اقتصادية تملك الطموح والكفاءة والقدرة على صناعة الفرص وقيادة التحولات.

ومن هنا، جاءت النسخة التاسعة من منتدى المرأة الاقتصادي 2026، الذي نظمته غرفة الشرقية ممثلةً بمركز تمكين المرأة تحت شعار «من التمكين إلى التأثير الاقتصادي»، لتؤكد أن المرحلة الجديدة تتجاوز المفهوم التقليدي للتمكين، نحو آفاق أرحب يكون فيها الأثر الاقتصادي والاستدامة والقيادة والابتكار هي العناوين الأبرز لمسيرة المرأة السعودية.

( رعاية كريمة ورسالة وطنية )

حظي المنتدى برعاية وتشريف صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز، أمير المنطقة الشرقية، الذي افتتح فعالياته يوم الأربعاء 4 نوفمبر 2026، في مقر غرفة الشرقية الرئيس بالدمام، بحضور نخبة من القيادات والمسؤولين والخبراء والأكاديميين ورجال وسيدات الأعمال والمهتمين بالشأن الاقتصادي.

وجاءت هذه الرعاية لتجسد ما تحظى به المرأة السعودية من اهتمام ودعم، في ظل مرحلة وطنية استثنائية جعلت من الاستثمار في الإنسان، وتمكين الكفاءات، وتوسيع المشاركة الاقتصادية، ركائز أساسية لتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030.

صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز، أمير المنطقة الشرقية ، أكد ، أن النجاحات التي حققتها المرأة السعودية في القطاع الاقتصادي تعكس ما تمتلكه من قدرات وكفاءات، وتسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسيته.

( من التمكين إلى التأثير.. مرحلة جديدة )

يحمل شعار المنتدى في نسخته التاسعة دلالة عميقة تتجاوز الكلمات؛ فـ«التمكين» كان ولا يزال مرحلة مهمة في بناء القدرات وإتاحة الفرص وإزالة التحديات، أما «التأثير الاقتصادي» فهو المرحلة التي تتحول فيها تلك الفرص والقدرات إلى نتائج ملموسة، ومشروعات ناجحة، وقرارات مؤثرة، واستثمارات منتجة، وقيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

وقد ركز المنتدى على تعظيم إسهام المرأة في الناتج المحلي، وتعزيز جاهزيتها للاندماج في الاقتصاد الرقمي والابتكار، إلى جانب دعم حضورها في مواقع القيادة وصنع القرار، وتحقيق الاستدامة المالية والأثر المجتمعي للمشروعات النسائية. 

وهذه الرؤية تعكس تحولاً نوعياً في النظرة إلى دور المرأة؛ فهي اليوم 
لا تتطلع فقط إلى المشاركة في الاقتصاد، بل تسعى إلى أن تكون جزءاً من صناعة توجهاته ومستقبله.

( أرقام تؤكد حجم التحول )

إن ما تشهده المملكة العربية السعودية من تطور في حضور المرأة السعودية في سوق العمل والمجالات الاقتصادية والقيادية يمثل إحدى أبرز ثمار التحولات الوطنية.

رئيس مجلس إدارة غرفة الشرقية فهد بن عبدالله الفراج ، أشار ، إلى أن عدد السعوديات المسجلات في سوق العمل بلغ نحو 1.7 مليون امرأة، يعمل أكثر من 1.1 مليون منهن في القطاع الخاص، فيما ارتفعت مشاركة المرأة في القطاع التقني من 7% عام 2017 إلى 35%، كما بلغت نسبة حضورها في المناصب الإدارية العليا والمتوسطة 43.9%. 

هذه الأرقام لا تمثل مجرد مؤشرات إحصائية، بل تحكي قصة تحول وطني كبير، وتؤكد أن المرأة السعودية أصبحت حاضرة في مواقع الإنتاج والابتكار والإدارة وصناعة القرار.

( منال البواردي.. التأثير هو عنوان المرحلة )

المهندسة منال بنت عبدالرحمن البواردي، رئيسة مجلس سيدات الأعمال بغرفة الشرقية،  أكدت ،أن رؤية السعودية 2030 أرست مرحلة استثنائية أصبحت فيها المرأة السعودية شريكاً فاعلاً في صناعة الفرص الاقتصادية ودفع عجلة النمو.

وشددت على أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مفهوم التمكين إلى التأثير، من خلال تعظيم القيمة المضافة لمشاركة المرأة الاقتصادية، ودعم تأسيس المنشآت وتوسيع وصولها إلى الأسواق ومصادر التمويل. 

وهنا تتجلى أهمية المنتدى، فهو 
لا يكتفي بالاحتفاء بما تحقق، بل يطرح سؤال المستقبل: كيف تتحول النجاحات الفردية إلى تأثير اقتصادي مستدام؟ وكيف تنتقل المشروعات من نطاقها المحدود إلى كيانات قادرة على المنافسة والنمو؟

( القيادة المرنة واقتصاد المستقبل )

المنتدى ناقش في إحدى جلساته الرئيسة موضوع «القيادة المرنة والاستدامة: المرأة تقود اقتصاد المستقبل»، وهو عنوان ينسجم مع طبيعة المرحلة الاقتصادية التي تتطلب قيادات قادرة على استيعاب المتغيرات، وتحويل التحديات إلى فرص، وبناء مؤسسات أكثر جاهزية واستدامة.

وتناولت الجلسة أهمية مرونة المؤسسات ورأس المال البشري، والحوكمة والتنوع في مجالس الإدارة، ودور الشركات الوطنية في بناء قيمة مؤسسية وتعزيز قدرتها على المنافسة والاستمرار .

فالقيادة في عالم اليوم لم تعد مرتبطة بالمنصب وحده، بل أصبحت قدرة على قراءة المستقبل، واتخاذ القرار، وإدارة المخاطر، وصناعة التغيير.

( الذكاء الاصطناعي.. فرصة جديدة لريادة الأعمال )

وفي عالم تتسارع فيه الثورة التقنية، كان من الطبيعي أن يحتل الابتكار والذكاء الاصطناعي مساحة مهمة في أعمال المنتدى.

وجاءت جلسة «آفاق المستقبل: الابتكار والذكاء الاصطناعي في تمكين ريادة الأعمال» لتفتح نقاشاً حول مستقبل المشاريع النسائية في الاقتصاد الرقمي، وكيف يمكن تحويل الأفكار المبتكرة إلى شركات قابلة للنمو والاستثمار، وتعزيز حضور المرأة في مجالات البرمجيات والأمن السيبراني والتقنيات المالية. 

والرسالة هنا واضحة: إن مستقبل الاقتصاد لا ينتظر المتفرجين، والمرأة السعودية بما تمتلكه من كفاءة وطموح، مدعوة لأن تكون منتجة للتقنية ومبتكرة للحلول، لا مجرد مستفيدة من أدواتها.

( قصص النجاح.. حين يصبح الإلهام طريقاً للإنجاز )

من أجمل ما يميز المنتديات الاقتصادية أنها تجمع بين الفكر والتجربة، وبين النظريات وقصص النجاح الحقيقية.

وقد تضمن برنامج المنتدى استعراض تجارب ملهمة، من بينها تجربة نوف بنت فهد السديري، إلى جانب تجارب أخرى تعكس محطات البداية والتحديات ونقاط التحول ومسيرة النمو والتأثير. 

وقصص النجاح لا تُروى لمجرد الاحتفاء بأصحابها، بل لأنها تمنح الآخرين الثقة، وتؤكد أن خلف كل إنجاز رحلة من العمل والتحدي والتعلم والإصرار.

( ورش عمل تصنع الفارق )

ولم تقتصر فعاليات المنتدى على الجلسات الحوارية، بل سبقته ورش عمل عملية هدفت إلى تعزيز جاهزية المرأة في مجالات الاستثمار والقيادة.

وتناولت الورشة الأولى، «من فكرة إلى استثمار»، كيفية الانتقال بالمشروعات والأفكار إلى فرص قابلة للاستثمار والنمو، فيما ركزت ورشة «سعوديات في مجالس الإدارة.. خطوات نحو العضوية» على الحوكمة والمسؤوليات والرقابة المالية وإدارة المخاطر والجاهزية لعضوية مجالس الإدارة. 

وتمثل هذه البرامج التطبيقية جانباً مهماً من فلسفة المنتدى، لأن بناء التأثير الاقتصادي لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بالمعرفة والتأهيل والخبرة وتطوير الأدوات.

( غرفة الشرقية.. دور مستمر في تمكين المرأة )

يأتي المنتدى امتداداً لجهود غرفة الشرقية في دعم المرأة السعودية وتعزيز دورها الاقتصادي من خلال مركز تمكين المرأة، الذي يعمل على دعم سيدات الأعمال، والتعرف على التحديات التي تواجه مشروعاتهن، والمساهمة في تطوير الحلول، وفتح آفاق أوسع للتواصل والنمو.

وتؤكد أهداف المنتدى أن الطموح يتجه نحو نقل المشروعات النسائية إلى مستويات أعلى من النمو، وتعزيز الاستفادة من فرص الاقتصاد الرقمي والابتكار، وتطوير القيادات النسائية، وترسيخ ثقافة الاستثمار والتخطيط المالي طويل الأمد. 

( التأثير الحقيقي يبدأ من الإنسان )

إن القيمة الحقيقية لمنتدى المرأة الاقتصادي 2026 لا تقاس بعدد الجلسات أو الحضور أو المتحدثين فقط، بل بما يمكن أن تتركه مخرجاته من أثر في مسيرة المرأة السعودية.

فكل فكرة قد تتحول إلى مشروع، وكل تجربة ناجحة قد تلهم رائدة أعمال جديدة، وكل فرصة تدريبية قد تصنع قائدة للمستقبل، وكل قرار اقتصادي تشارك فيه امرأة مؤهلة قد يضيف رؤية مختلفة وقيمة جديدة.

ومن هنا، فإن الانتقال من التمكين إلى التأثير هو انتقال من إتاحة الفرصة إلى صناعة النتيجة، ومن الحضور إلى الفاعلية، ومن المشاركة إلى القيادة.

( نحو مستقبل أكثر تأثيراً )

لقد أثبتت المرأة السعودية أنها قادرة على أن تكون حاضرة في مختلف ميادين التنمية، وأن الطموح عندما يجد الدعم والفرصة والمعرفة، يتحول إلى إنجاز.

ويأتي منتدى المرأة الاقتصادي في نسخته التاسعة ليقول إن ما تحقق ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة أكثر طموحاً وتأثيراً.

مرحلة تكون فيها المرأة السعودية صاحبة مشروع، وصانعة قرار، وقائدة فريق، ومستثمرة، ومبتكرة، وشريكاً أساسياً في اقتصاد وطن يمضي بثقة نحو المستقبل.

«من التمكين إلى التأثير الاقتصادي» ليس مجرد شعار لمنتدى، بل عنوان لمرحلة وطنية جديدة؛ مرحلة تؤكد أن المرأة السعودية لم تعد تنتظر مكانها في المستقبل، بل أصبحت شريكاً في صناعته، وقوةً مؤثرة في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وابتكاراً واستدامة …

آخر الكلام …
تدفا على جال ضوّه بارد عظامي
‏و الماء يسوق بمعاليقي ويرويها …