الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ نوفمبر-٢٠٢٦       6435

بقلم دكتور: مها ياسر

«أكثر الناس حظًا في العالم هم من ينالون فرصة كسب رزقهم من شيء يمارسونه كهواية».

 

— ستانلي كوبريك

 

هناك فرق كبير بين شخص يستيقظ كل صباح لأنه مضطر للذهاب إلى العمل، وشخص يستيقظ لأنه متحمس لما سيقوم به اليوم.

 

الأول قد يرى في العمل وسيلة لتأمين احتياجاته، أما الثاني فقد يجد فيه مساحة للتعبير عن ذاته، وإشباع فضوله، واختبار قدراته، وتحقيق إنجاز يشعر معه بأن وقته وجهده لم يذهبا سدى.

 

ولعل هذه هي الفكرة العميقة التي تحملها مقولة ستانلي كوبريك؛ فالحظ الحقيقي ليس بالضرورة أن تمتلك وظيفة مرموقة أو راتبًا مرتفعًا، بل أن تجد تقاطعًا بين ما تحب أن تفعله، وما تتقنه، وما يحتاج إليه الآخرون، وما يمكن أن يدفعوا مقابله.

 

لكن هل يكفي أن نحب ما نفعله حتى ننجح فيه؟

 

بالتأكيد لا.

 

فالهواية وحدها لا تصنع مشروعًا ناجحًا، والشغف لا يعوّض غياب المعرفة أو التخطيط أو الانضباط. ما يحوّل الهواية إلى مهنة هو القدرة على تطويرها، وتحويلها من ممارسة شخصية ممتعة إلى قيمة حقيقية يمكن تقديمها للآخرين.

 

الشخص الذي يحب التصوير، على سبيل المثال، قد يبدأ بالتقاط الصور لمجرد الاستمتاع، لكنه عندما يطوّر مهاراته الفنية، ويفهم احتياجات السوق، ويتعلم التسويق وإدارة أعماله، يصبح أمام فرصة لتحويل هذا الشغف إلى نشاط مهني مستدام.

 

والأمر نفسه ينطبق على الكتابة، والطهي، والتصميم، والتدريب، والتعليم، وحتى الألعاب والتكنولوجيا.

 

من الهواية إلى ريادة الأعمال

 

في عالم تتغير فيه طبيعة الوظائف بوتيرة متسارعة، لم يعد المسار المهني التقليدي هو الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار أو النجاح.

 

أصبحت ريادة الأعمال والعمل الحر والاقتصاد الإبداعي تتيح للأفراد فرصًا أوسع لإعادة اكتشاف مهاراتهم وتحويل اهتماماتهم إلى مصادر للدخل.

 

وهنا تظهر أهمية اكتشاف الذات مهنيًا؛ فليس السؤال فقط: ما الوظيفة التي أستطيع الحصول عليها؟ بل أيضًا: ما الشيء الذي أستطيع تقديمه بصورة مختلفة؟ وما القيمة التي يمكن أن أضيفها من خلال مهارة أحب ممارستها؟

 

وقد تكون الإجابة عن هذا السؤال بداية مشروع صغير، أو علامة تجارية شخصية، أو مسار مهني جديد لم يكن حاضرًا في الحسابات من قبل.

 

المؤسسات أيضًا مسؤولة عن صناعة هذا النوع من الحظ.

 

فالموظف الذي يمتلك فرصة لاستخدام مواهبه، وتطوير اهتماماته، والمشاركة في ابتكار الأفكار، غالبًا ما يجد ارتباطًا أكبر بعمله ومؤسسته.

 

ومن هنا تأتي أهمية دور إدارات الموارد البشرية في تصميم الوظائف، واكتشاف المواهب، وتحقيق التوافق بين قدرات الأفراد واهتماماتهم ومتطلبات العمل.

 

فليس من المنطقي أن نطالب الموظفين بالإبداع، بينما نحصرهم في أدوار لا تسمح لهم بالتجربة أو المبادرة أو استثمار قدراتهم.

 

إن المؤسسات التي تدرك أن موظفيها ليسوا مجرد موارد بشرية تؤدي مهام محددة، بل عقول ومواهب وطاقات قابلة للنمو، هي الأكثر قدرة على بناء بيئة عمل محفزة ومستدامة.

 

ومع ذلك، هناك حقيقة لا ينبغي تجاهلها:

 

ليس كل شغف يصلح لأن يكون مصدر دخل، وليس كل هواية يجب أن تتحول إلى عمل.

 

أحيانًا تكون أجمل الهوايات هي تلك التي نمارسها بعيدًا عن ضغوط الأرباح والمواعيد النهائية وتوقعات العملاء. كما أن تحويل ما نحبه إلى التزام مهني قد يغيّر علاقتنا به.

 

لذلك، لا يتعلق الأمر بالتخلي عن الأمان الوظيفي والاندفاع خلف كل شغف، بل بالبحث عن مساحة واقعية يمكن فيها الجمع بين الاستمتاع والاحتراف، وبين الحرية والمسؤولية، وبين تحقيق الذات والاستقرار المادي.

 

في النهاية…

 

ربما لا نملك جميعًا رفاهية اختيار كل تفاصيل حياتنا المهنية، لكننا نملك القدرة على إعادة النظر في مهاراتنا، واكتشاف ما يمنحنا الطاقة، والبحث عن فرص لاستثماره وتطويره.

 

فالسعادة المهنية ليست مجرد راتب نتقاضاه في نهاية الشهر، ولا منصب نصل إليه في نهاية الطريق؛ إنها أيضًا شعور بأن ما نقضي فيه ساعات طويلة من أعمارنا يستحق هذا الوقت.

 

وربما يكون السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس: كم نكسب من عملنا؟

 

بل: هل نكسب من عملنا المال فقط، أم نكسب معه شعورًا بالرضا والمعنى؟

 

فأجمل صور النجاح أن تجد نفسك في ما تفعله، وأن يصبح ما تحبه جزءًا مما تصنعه في حياتك، لا مجرد شيء تؤجله إلى أوقات الفراغ.