بقلم : أنور الحمداني
في قاعات الجامعات المتخصصة ، حيث تُفكك النظريات وتُصاغ الفلسفات ، يظل الدرس الأول في علم الإحصاء ثابتاً كحجر زاوية لا يتزحزح " الأرقام لا تكذب " .
هذا الدرس لم أتلقَّه تلقيناً في غرف ومحاضرات الإحصاء التقليدية ، فبرغم إنني أبحرتُ قبل تسعة عشر عاماً مضت في شواطئ القانون الدولي والعلاقات الدولية كباحث ومتخصص ، وتعمقتُ في أنهار الاقتصاد السياسي الشاسعة ، إلا أن تيار الصحافة الاستقصائية الشغوف جرفني إلى بحور إعلامية متلاطمة وممتعة بدأتها قبل 32 عاماً مضياً وكاتباً وصحفياً .
كانت الأرقام في رحلته حتى اليوم –وما زالت– هي الرفيق ، والدليل ، والمبرهن الصارم الذي يفصل بين الانطباع العابر والحقيقة المجرَّدة .
واليوم ، حين تأخذنا بوصلة الصحافة الإلكترونية المعاصرة نحو تجربة إعلامية فتية واستثنائية ، تتجسد أمامنا " صحيفة النهار السعودية الغراء" التي إنطلقت الى فضاء الصحافة الإلكتروني عام 2023 ، كنموذج يستحق الوقوف عنده طويلاً بالقراءة والتحليل .
فلو ألقيت بنظرك نحو حافة موقعها الرقمي ، ومددت عين البصيرة قبل البصر، لوجدت عداداً رقمياً ينطق بحقيقة استراتيجية لا تقبل التأويل ، أكثر من 40 مليون زيارة (وتحديداً 40,207,438 زيارة) حازتها الصحيفة في عمرها القصير بمقاييس الزمن والنشأة ، وبالمقارنة مع مؤسسات صحفية قضت عقوداً لتصل إلى عتبات هذا التأثير.
وفي عُرف الصحافة الرصينة والاستقصائية ، لا يمكن إحالة " الزيارة الرقمية " إلى مجرد عبور عابر، أو " زيارة " هامشية ، أو نقرة بالصدفة ، بل هي في جوهرها رحلة واعِيَة يبحث فيها المتصفح عن فائدة، ويقتنص من خلالها معرفة ، ويُجدد بها صك الموثوقية مع المنصة .
بناءً على هذا المنظور الإحصائي ، نحن لسنا أمام أرقام صماء ، بل أمام أكثر من 40 مليون " عاشق" ومتابع ، وجدوا في "النهار" السعودية سحر الكلام ، ورصانة الفكرة، وجاذبية المقال الذي يلامس العقل والوجدان معاً .
هذا الرقم المليوني المهيب ، بمثابة وثيقة اعتراف جماهيرية ، وهو في الوقت ذاته مسؤولية وطنية وإعلامية جسيمة تقع على عاتق إدارة الصحيفة وهيئتها التحريرية .
إنها أمانة الحفاظ على المكتسبات؛ فالوصول إلى القمة قد يكون متاحاً بالجهد، لكن الحفاظ عليها يتطلب عبقرية خاصة. وقد نجحت إدارة "النهار" بامتياز في إدامة حبال الوصل ، وبناء جسور الثقة المستدامة مع كتابها ونخبة قراءها ، محولةً هذه المنصة الرقمية من مجرد نافذة أخبار إلى ملتقى فكري وثقافي يومي ، يترقبه المتابعون بشغف ليروا كيف تُصاغ الأحداث بروح العصر .
إن للصحافة السعودية خصوصية متفردة نابعة من عمقها الجيوسياسي والثقافي ، وللكاتب السعودي يراعٌ ( قلم ) ذو كبرياء خاص ، فهو يتقن لغة " ما قلّ ودلّ "، مدركاً بأصالةٍ وبُعد نظر أن لكل مقام مقال .
وإذا تذكرنا المقامات الموسيقية في التراث العربي والشرقي، وكيف أنها تزخر بحوالي 360 مقاماً ( أو 200 مقام وفق بعض المدونات القديمة ) ، ترتكز في جوهرها على 8 إلى 10 مقامات أساسية تحرك شجن النفس البشرية ، فإن للصحافة العربية أيضاً مقاماتها ، وموازينها ، وضوابطها التحريرية .
وفي هذا الأوركسترا الإعلامي العربي الكبير ، تحجز المملكة العربية السعودية مقامها الأول والريادي عربياً ، بتقديم محتوى رصين يطرب العقل العربي ، ويهذب الفكر ، ويقدم نموذجاً حياً لكيفية صناعة الإبداع الصحفي الملتزم بالقيم ، والذكي في أدوات الطرح الرقمي .
هذا التميز الخاطف لـ"النهار" وأقلامها لا ينفصل بحال من الأحوال عن المشهد التنموي الرقمي الشامل للمملكة العربية السعودية .
إذ يشهد نشاط المدونين وصناع المحتوى السعوديين اليوم طفرة كبرى وغير مسبوقة ، طفرة تُترجمها الأرقام التي يعود ليفوح عطرها ويقينها مجدداً، مبرهنة على أن اقتصاد صناع المحتوى في السعودية ينمو بنسبة مذهلة تصل إلى 32.37% سنويًا .
هذا النمو الانفجاري ليس وليد الصدفة ، بل هو مدفوع بحقيقة صلبة متمثلة في تصدُّر المملكة العربية السعودية الترتيب العالمي في نسبة التغلغل الرقمي ، وبنية تحتية اتصالية هائلة، إلى جانب استخدام واِعٍ لوسائل التواصل الاجتماعي التي تجاوزت حاجز 102% مقارنة بعدد السكان الفعلي .
الأرقام عندما تنطق في عالمنا المعاصر ، يفوح منها عطر الكلام ، وتخرس أمامها لغة التشكيك ، وتتضح بها الرؤية الاستراتيجية للمستقبل ، وكيف لا يكون لهذا العطر هيبة ، وآثار ، وتأثير طاغٍ ، وهو عطر سعودي خالص ، يمتد بنقائه ، وأصالته ، وإبداعه الصحفي ، من النهار.. إلى النهار .. نقطة راس سطر .