الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ اكتوبر-٢٠٢٦       2915

بقلم : أمل بازيد

قف عند نهاية الصيف قليلًا، وابتسم لفصلٍ يطوي أيامه بهدوء. لا تحاول استبقاء ما اختار الرحيل، ولا تحمل معك إلى الفصل الجديد ما أثقل قلبك في سابقه؛ فبعض الأشياء خُلقت لتكون مرحلة لا عمرًا كاملًا، وبعض الأشخاص يعبرون حياتنا ليتركوا درسًا، لا ليبقوا فيها إلى الأبد.

 

في تبدّل الفصول حكمة تشبه الحياة كثيرًا؛ فلا الصيف يحتفظ بشمسه، ولا الخريف يعتذر عن أوراقه المتساقطة، ولا الشتاء يخشى عري الأشجار، لأن لكل فصل دوره، ولكل نهاية موعدها، ولكل انتظار ربيعه الذي يأتي حين يحين أوانه.

 

ولعلنا نحتاج أحيانًا أن نتعلم من الخريف شيئًا من شجاعة التخلي.

 

أن نترك ما انتهى ينتهي دون أن نرهق أرواحنا بمحاولات الإبقاء عليه. أن نغفر لمن أساء إلينا حتى لا تصبح إساءته جزءًا من أيامنا القادمة، وأن نقول للراحلين: وداعًا بسلام، وللقادمين: أهلًا دون أن نحاكمهم بأخطاء من سبقوهم.

 

فليس كل من يطرق أبواب حياتنا امتدادًا لحكاية قديمة، وليس من العدل أن نجعل قلبًا جديدًا يدفع ثمن جرح لم يصنعه.

 

هناك نهايات تبدو في لحظتها خسارة، ثم نكتشف بعد زمن أنها كانت إنقاذًا خفيًا. أبواب أُغلقت لأن الطريق خلفها لم يعد لنا، وأشخاص غادروا لأن بقاءهم كان سيؤخر وصولنا إلى أنفسنا، وأمنيات لم تتحقق لأنها ربما كانت أصغر من العوض الذي خبأته لنا الحياة.

 

لهذا لا تنظر إلى كل ما سقط منك بوصفه فقدًا.

 

فالأشجار لا تموت حين تتساقط أوراقها؛ إنها تتخفف مما أنهى موسمه، وتبقى جذورها في الأرض تنتظر موعدًا آخر للحياة. وكذلك الإنسان؛ قد يفقد شيئًا كان يظنه جزءًا من مستقبله، ثم يكتشف أن سقوطه أفسح في روحه مكانًا لشيء لم يكن يستطيع الدخول من قبل.

 

وما أجمل أن يأتي الخريف هذه المرة مختلفًا.

 

أن نجعله نهاية لقصة أوجعتنا أكثر مما ينبغي، ونقطة أخيرة بعد حديث طال، وسلامًا نضعه على أبواب الماضي ثم نمضي.

 

أن ندخل الفصل الجديد أخفّ قلبًا، أقل عتابًا، وأكثر تصالحًا مع حقيقة أن الحياة لا تمنحنا دائمًا ما نريد، لكنها كثيرًا ما تقودنا ـ بعد حين ـ إلى ما نحتاج.

 

فيا أيتها الفرحة…

 

اسرقينا يومًا من ازدحام الحياة، وخذينا إلى حيث لا ندري؛ إلى مكان لا تعرفه الخيبات القديمة، إلى نقاء يشبه المطر الأول، وإلى طمأنينة لا يقطعها خوف، وإلى أمل يمتد أمامنا حتى نعجز عن رؤية نهايته.

 

خذينا إلى أيام لا نحتاج فيها أن نسأل: متى يأتي العوض؟

 

لأننا سنكون قد أدركنا أن العوض لا يعني دائمًا عودة ما فقدناه، فقد يأتي في صورة قلب أكثر سلامًا، أو طريق أكثر اتساعًا، أو أشخاص يشبه حضورهم الأمان، أو نسخة من أنفسنا لم تكن لتولد لولا كل ما عبرناه.

 

وحين يسقط آخر ورق الصيف من ذاكرتك، لا تحزن كثيرًا.

 

ابتسم وقل للفصل الراحل: شكرًا لما علّمتني.

 

ولمن اختار الرحيل: وداعًا.

 

ولمن يأتي حاملًا صدقه ومحبته: أهلًا.

 

ثم افتح نافذتك للخريف، ودع الهواء الجديد يعبر إلى قلبك؛ فربما كانت بعض النهايات رحمة لم نفهمها في وقتها، وربما كان ذلك الفراغ الذي أخافنا طويلًا هو المكان الذي اختارته الحياة لتضع فيه عوضها الأجمل.

 

همسة أمل

 

لا تجمع أوراق الفصول الراحلة لتعيدها إلى أغصان انتهى موسمها؛ بعض السقوط ليس خسارة، بل مساحة يتهيأ فيها القلب لاستقبال الضوء من جهةٍ جديدة.