بقلم - عيسى المزمومي
ما أكثر المدن التي تتبدل ملامحها، وما أقل الأمكنة التي تغادر القلوب! فثمّة أحياءٌ إذا أُزيلت من الأرض، لم تُزل من الذاكرة؛ لأنها لم تكن يومًا طوبًا يُرصّ، ولا شوارع تُعبّد، ولا بيوتًا تُرقّم، وإنما كانت حياةً كاملةً تنبض بين الناس. حتى إذا غابت جدرانها، بقي أثرها شاهدًا على زمنٍ لا تمحوه الجرافات، ولا تطويه السنون!
قبل أيام، كنتُ في حديثٍ مع الصديق حسين الشيخ، أحد أبناء حي الصحيفة في جدة. ولم يكن يحدثني عن حيٍّ اندثر بقدر ما كان يفتح أمامي نافذةً على زمنٍ مضى. كان يذكر الأزقة كما يذكر أسماء إخوته، ويستعيد وجوه الرجال كأنهم غادروها صباحًا وسيعودون مع المساء. ثم أخذ يستحضر شخصيات الحي التي لا تزال حاضرةً في ذاكرة أبنائه، مثل مطحلب، وفقشات حمادة، وغيرهما ممن صنعت مواقفهم البسيطة تاريخًا شفهيًا تتناقله الأجيال.
وكلما مضى في حديثه، شعرت أن المكان لم يكن يسكن الخرائط، بل كان يسكن أهله. فالحي الحقيقي ليس ما تحيط به الأسوار، وإنما ما تجمعه روابط الودّ والألفة. وكم من حيٍّ اتسعت شوارعه وضاقت قلوب أهله، وكم من حارةٍ ضيقةٍ اتسعت بالمحبة حتى بدت لأبنائها أرحب من مدينةٍ كاملة.
قال حسين، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ يختلط فيها الحنين بالسكينة:
«ما زلتُ إذا ذُكر حي الصحيفة، شعرت أنني أسير في أزقته، وإن كنت أعلم أنه لم يعد قائمًا كما كان».
توقفت عند عبارته طويلًا، وأدركت أن الإنسان لا يقيس المكان بمساحته، بل بما تركه فيه من أثر. فالحي القديم لم يكن عنوانًا في بطاقة، ولا رقمًا في سجل، بل كان مجتمعًا يعرف بعضه بعضًا. كانت الأبواب تُفتح قبل أن تُطرق، والسلام يسبق السؤال، والجار يشعر بغياب جاره قبل أن يعرف سبب غيابه. وكان الأطفال يصنعون من الأزقة والأرصفة مسارح لحكاياتهم وألعابهم، حتى إذا أقبل المساء عاد كل واحدٍ منهم وهو يحمل من يومه قصةً جديدة.
في تلك الأيام، لم تكن الهواتف تحفظ أسماء الناس؛ لأن القلوب كانت تحفظها. ولم تكن التطبيقات تُخبر الجيران بأخبار بعضهم؛ لأن الخبر كان يصل مع أول عابر، وكانت الزيارة تسبق الرسالة، والمصافحة تغني عن كثيرٍ من الكلمات.
ومن أكثر ما لفتني في حديث حسين أنه لم يحدثني عن جمال البيوت، ولا عن اتساع الشوارع، وإنما ظل يعدد أسماء الرجال، ويستعيد مواقفهم، ويضحك لنوادرهم، ثم يترحم على من رحل منهم. عندها أيقنت أن الإنسان لا يشتاق إلى الجدران بقدر ما يشتاق إلى الأرواح التي منحتها معنى، وجعلت من الحي أسرةً كبيرةً قبل أن يكون مجموعةً من المنازل المتجاورة.
وما إن فرغ من حديثه حتى أخرج هاتفه بهدوء، وقال:
«انظر...».
نظرت إلى الشاشة، فإذا بمقطعٍ قديم لحي الصحيفة قبل إزالته. الأزقة كما كانت، والمسجد في مكانه، والدكاكين تفتح أبوابها، وكأن الزمن توقف داخل ذلك المقطع، ينتظر أن يعود أصحابه ليواصلوا حياتهم من حيث انتهوا.
حينها أدركت أن بعض الأحياء لا تموت حين تغادر الأرض، وإنما تبدأ حياةً أخرى في ذاكرة أهلها؛ وأن الحكايات التي عاشت يومًا بين الجدران قد تجد لها مأوى جديدًا في القلوب، قبل أن تجد لها مكانًا في شاشات الهواتف!
خرجتُ من لقاء حسين الشيخ، لكن حديثه لم يخرج مني. ظل يرافقني كلما رأيت مقطعًا قديمًا لحي الصحيفة يتداوله الناس، حتى خُيّل إليّ أن الحي، بعد أن غادر الأرض، قد اختار للشاشة وطنًا جديدًا.
ومنذ إزالة الحي قبل أربعة أعوام، لم تغب ملامحه عن هواتف أبنائه. فكلما نشر أحدهم مقطعًا قديمًا، أو صورةً التقطتها عدسةٌ عابرة، عاد الحي إلى الحياة من جديد؛ لا يعود بالحجارة، وإنما بالأصوات والضحكات والوجوه والأسماء التي كانت تملأ المكان دفئًا.
كنت أتأمل تلك المقاطع، فأجدها أكثر من مجرد تسجيلاتٍ قديمة؛ إنها وثائق اجتماعية لم يكتبها مؤرخ، ولم تحفظها مكتبة، وإنما صانتها ذاكرة الناس قبل أن تحفظها ذاكرة الهاتف. ففي كل مقطع حكاية، وفي كل زاوية شاهدٌ على زمنٍ مضى، وفي كل صورة وجهٌ يبتسم، أو طفلٌ يركض، أو شيخٌ يجلس أمام دكانه، كأنه يحرس ذاكرة المكان.
ولفت نظري أن التعليقات على تلك المقاطع كانت أجمل من المقاطع نفسها. فواحدٌ يكتب: «هنا كان بيتنا»، وآخر يقول: «في هذا الزقاق لعبنا صغارًا»، وثالث يترحم على جارٍ رحل، ورابع يستعيد موقفًا مضحكًا ظل حاضرًا في ذاكرته بعد عشرات السنين. عندها أدركت أن الناس لم يكونوا يشاهدون المكان فحسب، بل كانوا يقرؤون أعمارهم بين تفاصيله، ويستعيدون أجزاءً من حياتهم ظنوا أنها مضت إلى غير رجعة.
ولم تكن الشاشة، على صغر حجمها، تعرض بيوتًا وأزقةً فحسب، بل كانت تعرض زمنًا كاملًا. غير أن الصورة، مهما بلغت دقتها، تبقى عاجزةً عن نقل أشياء لا تراها العدسات؛ فلا تحمل رائحة المطر حين يلامس تراب الحي، ولا دفء السلام بين الجيران، ولا أصوات الأمهات وهن ينادين أبناءهن عند المغيب، ولا رهبة المساجد وهي تستقبل المصلين في صلاة الفجر، ولا الضحكات التي كانت تتردد بين الجدران حتى يحسبها العابر جزءًا من بناء المكان.
وهنا أيقنت أن التقنية قد تحفظ شكل الحياة، لكنها لا تحفظ روحها. فهي تصون المشهد من الضياع، لكنها تعجز عن استعادة الإحساس الذي عاشه أصحابه وهم جزءٌ منه. وشتان بين من يرى الحي في مقطعٍ مصوّر، ومن عاشه يومًا بيتًا وشارعًا ورفيقًا وذاكرة.
ومع ذلك، فإن لهذه المقاطع فضلًا لا يُنكر؛ فقد أصبحت أرشيفًا شعبيًا يحفظ جانبًا من التاريخ الاجتماعي الذي لا تكتبه الوثائق الرسمية. إنها تروي حياة الناس البسطاء، وتمنح الأجيال الجديدة فرصةً للتعرف إلى ملامح مدينةٍ كانت هنا، وإلى مجتمعٍ صنع هويته بالمحبة قبل العمران.
وعندما أغلقت هاتفي في ذلك المساء، أدركت أنني لم أكن أشاهد مقاطع قديمة، بل كنت أقرأ صفحاتٍ من كتابٍ لم يُطبع على الورق، وإنما كُتب على وجدان الناس، ثم حفظته الهواتف؛ لتبقى الذاكرة حيّةً وإن غاب المكان!
لستُ ممن يقفون في وجه التطوير، ولا ممن يظنون أن المدن خُلقت لتبقى على صورتها الأولى. فالعمران سنةٌ من سنن الحياة، والمدن التي لا تتغير تفقد حيويتها كما يذبل كل شيءٍ يتوقف عن النمو. وما تشهده مدن المملكة اليوم من مشروعاتٍ طموحة هو امتدادٌ لرؤيةٍ تبني المستقبل، وتمنح الإنسان بيئةً أرحب للحياة والعمل، وترتقي بجودة العيش.
غير أن للمدن وجهًا آخر لا يظهر في الخرائط، ولا ترسمه المخططات الهندسية. إنه الوجه الذي صنعته الأيام، ونسجته العلاقات الإنسانية، وحفظته الذاكرة. فكم من شارعٍ لم يكن واسعًا، لكنه اتسع بالمحبة، وكم من بيتٍ متواضعٍ خرجت منه حكاياتٌ أكبر من جدرانه، وكم من حارةٍ صغيرةٍ أصبحت وطنًا كاملًا في ذاكرة من عاشوا فيها.
لقد غادر حي الصحيفة مكانه، كما غادرته أحياءٌ كثيرةٌ في مدننا، لكن الذي بقي لم يكن الإسمنت، وإنما الإنسان. بقيت الأسماء التي كان الناس ينادون بها بعضهم بعضًا، وبقيت المواقف التي لا تُشترى، والابتسامات التي كانت تعبر الأزقة قبل أن تعبر الشفاه، وبقيت تلك الألفة التي جعلت من الحي أسرةً كبيرةً، لا مجرد منازل متجاورة.
وحين أتذكر حديث الصديق حسين الشيخ، أدرك أن الإنسان يحمل وطنه الصغير معه أينما ذهب. فقد يبتعد عن بيته، وقد ينتقل إلى حيٍّ آخر، لكن ذاكرته تظل تعود كلما رأت صورةً قديمة، أو سمعت اسمًا مألوفًا، أو مرّ أمامها مقطعٌ قصير يعيد إليها زمنًا كانت تظنه قد مضى.
ومن هنا، فإن توثيق الأحياء القديمة ليس بكاءً على الماضي، ولا اعتراضًا على الحاضر، بل هو وفاءٌ لذاكرة مجتمع، وحفظٌ لصفحاتٍ من التاريخ الاجتماعي التي لا ينبغي أن تضيع. فالأمم لا تحفظ تاريخها بالقصور والأسواق وحدها، بل تحفظه أيضًا بحكايات الناس، وأسمائهم، ولهجاتهم، وأيامهم العادية التي صنعت هويتها بصمت.
ومن أعجب ما في هذا العصر أن الهاتف، الذي جاء ليقرّب البعيد، أصبح يقرّب الماضي أيضًا. يحمل الإنسان في جيبه جهازًا صغيرًا، فإذا به يفتح له بابًا إلى شارعٍ لم يعد موجودًا، ويعيد إليه أصواتًا سكتت، ووجوهًا غابت، وأيامًا حسب أنها انقضت، فإذا بها تعود إليه في لحظةٍ واحدة.
عندها فقط فهمت معنى هذا العنوان الذي ظل يرافقني منذ لقائي بحسين الشيخ؛ فالحي الذي يسكن الهاتف بعد أن غادر الأرض ليس حيًّا يبحث عن عودة، بل ذاكرةٌ ترفض الغياب، وشاهدٌ على أن المكان قد تهدمه الجرافات، أما الأثر الذي يتركه في الإنسان فلا تهدمه الجرافات، ولا تمحوه السنوات.
وهكذا تبقى المدن، وهي تجدد ملامحها، مدينةً لماضيها، ويبقى الإنسان، مهما ابتعد، يحمل في قلبه حيَّه الأول؛ لأنه يعلم أن البيوت تُبنى بالحجارة، أما الأوطان الصغيرة فتُبنى بالناس. فإذا رحل الناس بقيت الحجارة صامتة، وإذا بقي أثر الناس ظل المكان حيًّا، وإن غادر الأرض منذ زمن!
ملاحظة :
شذرات من كتاب "يوميات خارج المألوف "، الجاري إصداره خلال الأيام المقبلة.