الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٢ نوفمبر-٢٠٢٦       17820

بقلم : مريم عرجون

مقالي هذا ليس استحضارًا لذكرى عابرة، ولا سكونًا إلى مجدٍ مضى؛ بل هو نَفْثَةُ مصدورٍ، وأنينُ مهجورٍ، وحنينُ وطنٍ إلى معنى لا يموت، لقد ظننتُ بنوفمبر ظنًّا تمزّقت أثوابُه، ورجوتُ منه رجاءً سُدَّت أبوابُه، فإذ وجدت لأوّل نوفمبر ضجيجُه الحلو، ذلك الذي لا يهدأ في دائرة موته، ولا يفارقه صوته الصارخ بالصَّحوة، ولا ينطفئ وهجه وإن توارى خلف تعاقب السنين، كأنّه جالسٌ في محراب التاريخ، يتغنّى بمفاتن الإرادة، وينثر على أكتاف الزمن عطرًا جامحًا من دماء الذين مرّوا من هنا، وتركوا للأرض أسماءهم، وللسماء أرواحهم، وللأجيال وطنًا لا يُستعار ولا يُستردّ إلا بالعزائم.

حين انطلقت شرارة الثورة من جبال الأوراس الشمّاء، وامتدّ لهيبها إلى سائر الربى والسهول والصحارى، لم تكن البنادق تعلن عن مواجهة عسكرية فحسب، بل كانت فوهاتها توقّع على صكّ ميلاد أمة، وتعلن أن الجزائر لم تعد تقبل أن يُكتب مصيرها بأقلام الغزاة، ولا أن تُقاس إرادتها بموازين المستعمرين، كان نوفمبر انتفاضة أرضٍ استردّت صوتها، وأمةٍ أخرجت من صمتها تاريخًا من المقاومة، وشعبٍ قرّر أن يكون سيّد قدره، ولو كان ثمن السيادة أن يمرّ من فوهات الموت إلى أبواب المليون ونصف مليون شهيد، 

ولم تكن الثورة التحريرية مجرّد واقعة عسكرية في سجلّ الحروب، ولا صفحةً من صفحات التحرّر التي تُقرأ ثم تُطوى، بل كانت زلزالًا في ضمير الإنسانية، ودرسًا في أن الشعوب التي تعرف قدرها لا تُساق إلى المذلّة، وأنّ الاستعمار، مهما أحكم قبضته، لا يستطيع أن يستوطن روحًا قرّرت أن تحيا حرّة، لقد دفع الوطن من دمه حتى استقام له الفجر، وقدّم من أبنائه ما جعل الأرض تروي حكايتها بلسان الشهداء، وتكتب على جبين الأجيال أن الحرية لم تكن هبةً من أحد، وإنما كانت انتزاعًا من مخالب التاريخ.

إنّ الجزائر التي استردّت سيادتها بدماء أبنائها لم تقف عند حدود التحرير، فقد أقامت دولتها، وشادت مؤسساتها، ورسّخت دعائمها، وصانت قرارها الوطني المستقل، وهي اليوم دولةٌ سيدةٌ على أرضها، معتزّةٌ بتاريخها، راسخةٌ في هويتها، ماضيةٌ بإرادة أبنائها نحو آفاقٍ أوسع من القوة والاقتدار، وما مسيرة البناء التي عرفتها الجزائر عبر عقودها إلا امتدادٌ لذلك الفجر الذي أطلّ من جبال الأوراس، فالأجيال التي حملت السلاح انتزعت حقّ الوطن في الحرية، والأجيال التي أعقبتها حملت مسؤولية تشييد الدولة وترسيخ أركانها، أما أجيال اليوم فعليها أن تواصل المسيرة، وأن تضيف إلى رصيد الوطن منجزاتٍ تليق بعظمته وتاريخه، 

فالدول العظيمة لا تتوقف عند حدود ما حققته، وإنما تجعل من كل إنجازٍ منطلقًا لإنجازٍ أوسع، ومن كل مكتسبٍ أساسًا لمكتسبٍ أرسخ، لأن التاريخ لا يمنح مكانته لمن يكتفي باستعادة أمجاده، بل لمن يحسن أن يجعل من أمجاد الماضي قوةً لصناعة المستقبل.

إنّ السيادة عهدٌ يتجدّد في ميادين البناء، وقيمةٌ تتعزّز بما تحققه الدولة من منجزات، وما تتيحه لأبنائها من أسباب القوة والكرامة، وهي ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل إرادةٌ تُترجم إلى عمل، ومؤسساتٌ تنهض بمسؤولياتها، وكفاءاتٌ تصنع الفرق، وعقولٌ تبتكر، وأيدٍ تبني، فلكلّ عصرٍ تحدّياته التي تستدعي أدواته، ولكلّ مرحلةٍ رهاناتها التي تقتضي من أبنائها أن يكونوا على قدرها، وأن يواصلوا مسيرة وطنهم بما يليق بما أنجزه السابقون وما يتطلع إليه اللاحقون.

وإذا كان جيل نوفمبر قد حمل البندقية ليحرّر الجغرافيا من قبضة المحتلّ، فإنّ جيل اليوم مدعوّ إلى حمل العلم ليحرّر المستقبل من قبضة التبعية، هناك معارك لا تُسمع فيها طلقات الرصاص، ولكنّ نتائجها تُرسم في المختبرات، ومراكز البحث، ومصانع التكنولوجيا، ومؤسسات الإنتاج، وهناك حدود لا تحرسها المتاريس، بل تحرسها العقول التي تعرف كيف تصنع الدواء، وتطوّر الآلة، وتبتكر التقنية، وتحوّل المعرفة من فكرةٍ عابرة إلى قوةٍ وطنيةٍ لا تُستعار.

إنّنا لا نريد للماضي أن يتحوّل إلى ظلٍّ طويلٍ نحتمي به من أسئلة الحاضر، ولا أن تصبح الثورة وسادةً نُسند إليها عجزنا عن صناعة الغد، فالماضي الذي لا يستنهض الحاضر يتحوّل إلى ذاكرةٍ معلّقة، والتاريخ الذي لا يُثمر عملًا يصبح حكايةً جميلةً في زمنٍ لا يرحم المتأخرين، إنّ نوفمبر لم يترك لنا الحرية لنستهلك مجدها، وإنما ترك لنا أمانةً لنواصل بناءها، أمانةً قوامها أن يكون العلم سلاحنا، والعمل شريعتنا، والإبداع لغتنا، والإنسان غايتنا.

ولعلّ الوطن وهو ينسج اليوم ملامح جزائر جديدة، قويةً في إرادتها، ثابتةً في سيادتها، متطلّعةً إلى آفاقها، يحتاج من أبنائه أن يترجّلوا من ثقافة «الكلّ يُعيب» إلى ثقافة «الكلّ يكدح»، وأن ينفضوا عن جمجمة الفكر غبار الإهمال، وأن يخرجوا من دائرة استهلاك الكلام إلى رحابة صناعة الأفعال، فليس كلّ اختلافٍ خصومة، ولا كلّ رأيٍ مغايرٍ خروجٌ عن الوفاء، وإنما الأوطان تتّسع لتعدّد الرؤى حين تجمعها غاية البناء، وتختلف فيها وجهات النظر دون أن تختلف وجهة الوطن.

ومهما تباينت رؤانا، وتعدّدت قراءاتنا، واختلفت مواقفنا من مسارات الحاضر، فإنّ ما ينبغي أن يظلّ محلّ التقاء هو الجزائر، الجزائر التي لا تُختزل في موسمٍ احتفالي، ولا تُختصر في خطابٍ عابر، بل تُقاس بما يتراكم في مؤسساتها من عمل، وفي عقول أبنائها من وعي، وفي اقتصادها من إنتاج، وفي ثقافتها من إبداع. فالوطن لا يحتاج إلى من يصفّق لصورته فحسب، بل إلى من يضيف إلى صورتها لونًا جديدًا، ولا يحتاج إلى من يعدد مفاتنه، بل إلى من يحرسها من الذبول ويمنحها أسباب الازدهار.

وعلى قول أبي القاسم الشابي:

«إذا الشّعبُ يومًا أراد الحياة

فلا بدّ أن يستجيب القدر».

ونحن ذلك الشعب، ونحن الحياة التي لا تستقيم إلا بإرادتنا، ونحن صُنّاع الوطن الذين لا يحقّ لهم أن يتركوا قصيدته معلّقةً عند آخر بيتٍ كتبه الشهداء، فلكلّ جيلٍ قافيته، ولكلّ مرحلةٍ نشيدها، وإذا كان جيل الثورة قد كتب ملحمته بالدم، فإنّ جيل البناء مطالبٌ بأن يكتب ملحمته بالعلم والعمل والإنتاج، حتى لا تبقى الجزائر قصيدةً في أفواهنا، بل تصبح حقيقةً في منجزاتنا، وواقعًا في مؤسساتنا، وأثرًا في محيطها الإقليمي والإنساني.

ومن هنا أرى أنّ نوفمبر ينبغي ألا يظلّ موعدًا سنويًا لاستنطاق الذاكرة واستعادة المآثر وتبادل الخطب، بل أن يتحوّل إلى موعدٍ سنويّ لتقديم حصاد ما أبدعناه، وما أنتجناه، وما أضفناه إلى رصيد هذا الوطن من علمٍ وفكرٍ وفنٍّ وصناعةٍ وعمل، أن يكون لكلّ نوفمبر إنجازٌ جديد، ولكلّ عامٍ ثمرةٌ تُعرض، ولكلّ مؤسسةٍ حصادٌ يُقاس، ولكلّ مبدعٍ أثرٌ يتركه في سجلّ وطنه.

فكما قدّم لنا الوطن حريته على مذبح التضحية، وسقاه أبناؤه من دمائهم حتى استقام له فجر السيادة، أفلا يحقّ لهذا الوطن أن نردّ إليه بعض ما منحنا؟ أفلا نستحي من ذاكرةٍ أثقلناها بالكلام، بينما كان الذين صنعوها يقدّمون أعمارهم لا شعاراتهم؟ لقد شبعنا كلامًا، وتخمت الذاكرة بالخطب، وما عادت الكلمات، مهما ازدانت وتأنّقت، قادرةً وحدها على أن تفي وطنًا دفع ثمن حريته مليونًا ونصف مليون شهيد.

إنّ الوفاء لا يكون باستعادة القول وترديد المقول، ولا بتعليق صور البطولة على الجدران ثم الانصراف إلى عاداتنا القديمة، بل بأن نضع بين يدي الجزائر منجزاتنا كما وضع الشهداء بين يديها أرواحهم، أن نقدّم لها ثمرة عقولنا، ونتاج أيدينا، وإبداع أقلامنا، وحصاد مختبراتنا ومصانعنا ومؤسساتنا، أن يصبح نوفمبر معرضًا سنويًا لما صنعناه، لا مجرّد مناسبةٍ لما قلناه وأن ننتقل من الاحتفاء بالماضي إلى تقديم شهادةٍ حية على أننا أهلٌ لما ورثناه من مجد.

فليس أصدق وفاءً للشهداء من وطنٍ يثمر في أيدي أبنائه، ولا أبلغ عرفانًا لتضحياتهم من أمةٍ تجعل من العلم رايتها، ومن الإبداع رسالتها، ومن الإنتاج برهان نهضتها، وليس أجمل من أن يقف كلّ جيلٍ في نوفمبر أمام الوطن، لا ليسأله ماذا أعطانا فحسب، بل ليقول له: هذا ما أنجزناه لك، وهذا ما أضفناه إلى تاريخك، وهذا ما تركناه لمن سيأتون بعدنا.

فهل يقبل الوطن أن نقاسمه البكاء اللافح على صموده، ونكتفي بتعداد نجاحاته وصعوده، دون أن نكون شركاء في صناعة تلك النجاحات؟ وهل يرضى أن نظلّ أسرى مراثي المجد، فيما ينتظر منّا أن نغزل له مستقبلًا يليق بماضيه؟ إنّ الأوطان لا تريد من أبنائها أن يبكوا عليها إلى الأبد، بل أن ينهضوا بها، ولا أن يظلّوا شهودًا على أمجادها، بل أن يكونوا صُنّاع أمجادها.

ذلك هو نوفمبر الذي نريده، ذاكرةً لا تنام، وإرادةً لا تلين، وعطاءً لا ينقطع، وموعدًا تتجدّد فيه البيعة للعمل، لا للقول وحده، نوفمبر الذي لا تنتهي فيه الحكاية عند دماء التحرير، بل تبدأ منه أمجاد التعمير، حتى لا يبقى الوفاء حبيس الألسنة، بل يغدو أثرًا يُرى، ومنجزًا يُروى، ومجدًا يُهدى إلى وطنٍ أعطانا من تاريخه ما يكفي لنصنع له مستقبلًا.

فالجزائر التي صنعت من تضحيات أبنائها ملحمةً في تاريخ التحرّر، جديرةٌ بأن تصنع من طاقات أبنائها ملحمةً أخرى في تاريخ البناء والحضارة.

سلامٌ على نوفمبر، يوم أيقظ الأرض من صمتها، وأخرج من رحم المستحيل وطنًا، وسلامٌ على الجزائر، التي جعلت من الحرية قدرًا، ومن السيادة عهدًا، ومن المستقبل أفقًا لا تحدّه حدود الطموح.

وسلامٌ على كلّ يدٍ تبني، وكلّ عقلٍ يبدع، وكلّ قلمٍ يضيء، فهؤلاء أيضًا أبناء نوفمبر، وإن اختلفت بنادقهم، وتبدّلت ميادينهم، لأنّ المعركة لم تنتهِ يوم سكتت المدافع، وإنما تغيّرت رايتها، وصار على الأحياء أن يثبتوا أنّهم جديرون بالحياة التي افتداها الشهداء.

لقد أصاب عقلي تخمٌ من الكلام، وضاقت العبارة بما يليق بنوفمبر، فما عاد في اللغة متّسعٌ لمجدٍ يفوق الوصف، فنوفمبر أكبر من كلّ قول، وأجلّ من أن تحيط به الخطب، وأبقى من أن تختصره الكلمات. المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، الذين تركوا لنا وطنًا حرًّا، وسماءً لا تنحني، وتاريخًا لا يخفت وهجه ما بقيت الجزائر.