الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ اكتوبر-٢٠٢٦       3025

بقلم: العميد م. الدكتور نافل بن غازي النفيعي

تُعبّر هذه الحكمة عن فكرة "مواضع الاختبار"؛ فالإنسان في الأوقات العادية قد يتجمّل ويتصنّع الأخلاق والفضائل، لكن المواقف الصعبة والأزمات والتقلبات هي التي تُزيل الأقنعة وتُظهِر المعدن الحقيقي للنفوس. وهذه الحكمة لا تتعلق بالأفراد فقط، بل تشمل الجماعات والدول. 

 

ومن يقرأ التاريخ الإنساني يجده يشتمل على عدد من الشخصيات، سواءً من عِلْية القوم أو المغمورين منهم، الكثير من الأخبار والمواقف التي تَكشّفت لمن بذلوا صنائعهم وأياديهم النديّة لمن لا يستحق؛ حتى أصبح كثير من الناس يؤمنون بالحكمة العربية الشهيرة: "اتقِ شرّ من أحسنت إليه". وتعني أنه بمداومتك الإحسان إليه، فإن اللئيم يجازي الإحسان بالإساءة.

 

فالأحداث التي مرّت وتمرّ بها المنطقة، وما حصل من هجمات واعتداءات إرهابية على المملكة العربية السعودية، وعلى الأماكن المقدسة (مكة والمدينة)، وعلى المعتمرين بمطار الملك خالد الدولي بالرياض من جانب جماعة الحوثي؛ جعل الكثير يؤمنون بصحة ما أُشير إليه آنفًا. كما أكد لي صحة ما رمى إليه الفيلسوف الألماني الشهير آرثر شوبنهاور؛ بأن أعظم سرور هو ذلك السرور الذي نستمده من مصائب الأشخاص الذين نحسدهم. ولكن هيهات هيهات، فالحاسد يموت قبل أن يصل إلى محسوده، كما يروّى عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. ويقول أيضًا: خير الشرّ ولا خير فيه؛ عدلُ الحسد، يبدأ بصاحبه قبل أن يصل إلى محسوده.

 

ولعلنا لاحظنا مدى اللؤم والانشراح الذي بدا جليًا من بعض أولئك الذين كنا نعدهم إخوانًا وعُدّةً لنا عند نوائب الدهر، وبعد أن كنا نبذل لهم الغالي والنفيس لتخفيف المعاناة التي كانوا يعيشونها، وكنا سندًا لهم من قبل؛ فإذا بهم يُكشّرون عن رداءة طباعهم وسوء طويتهم. وصدق الإمام الشافعي يرحمه الله عندما قال في وصف بليغ يجسّد الواقع:

جزى الله الشدائد كل خيرٍ

وإن كانت تُغصّصني بريقي

وما شكري لها حمدًا ولكن

عرفتُ بها عدوي من صديقي

 

*" ويُلخّص هذا المعنى ببراعة ما أوصى به عمرو بن العاص معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما بقوله: "يا أمير المؤمنين، لا تكونن لشيء من أمور رعيتك أشد تفقدًا منك لخصاصة الشريف حتى تعمل في سدها، ولطغيان اللئيم حتى تعمل في قمعه، واستوحش من الكريم الجائع ومن اللئيم الشبعان؛ فإن الكريم يصول إذا جاع، واللئيم يصول إذا شبع."*

فبحمد الله وطني العزيز قد مرّ بأحداث جِسام كثيرة مشابهة، واستطاع أن يتجاوزها بتوفيق من الله تعالى، وبما حبانا الله من قادةً حكماء، كان النصر حليفًا لبلادنا، والخيبة والخذلان لمن سوّلت لهم أنفسهم المساس بأمن واستقرار ومقدسات المملكة العربية السعودية، وستبقى بإذن الله تعالى يا وطني العزيز شامخًا مزدهرًا رغم كيد الحاقدين والحاسدين، وعونًا وسندًا لأمتنا العربية والإسلامية كما عهد الجميع، ولا تزال بعون المولى عز وجل.  

 

**باحث اجتماعي ومختص في العلاقات الدولية**