الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ اكتوبر-٢٠٢٦       1925

بقلم : د. احمد المنصوري

تدرك معظم المؤسسات ما الذي تريد الوصول إليه، وتمتلك رؤية واضحة لما تطمح إلى تحقيقه، إلا أن كثيرًا منها يواجه صعوبة في ترجمة تلك الرؤية إلى نتائج ملموسة، فبين وضوح الاتجاه وتحقيق الإنجاز، توجد فجوة لا تُردم بالرغبة أو بالموارد وحدها، وإنما بطريقة العمل التي تحول الأفكار إلى واقع، وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف تحقق المؤسسة نتائج قابلة للتنفيذ؟

يقول تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة أبل "نؤمن بأن التركيز يعني قول لا لمئات الأفكار الجيدة " ولم تكن هذه العبارة دعوة إلى تقليل الأفكار، بل تأكيدًا على أن النجاح لا يتحقق بكثرة الأنشطة والمبادرات، وإنما بمنهجية واضحة تحدد ما ينبغي تنفيذه، وما يجب تأجيله أو حذفه، وتقدم أبل مثالًا واضحًا على ذلك؛ فعلى الرغم من قدرتها على دخول عشرات الأسواق وإطلاق منتجات متنوعة، اختارت التركيز على عدد محدود من المنتجات التي تتوافق مع رؤيتها، مع بناء منظومة متكاملة تجمع بين التصميم والتقنية وتجربة المستخدم، ولم يكن هذا النجاح نتيجة كثرة المشروعات، بل نتيجة منهجية واضحة في اختيار الأولويات، وتوجيه الموارد، وإدارة التنفيذ، وهنا يتضح أن المنهجية لم تكن مجرد مجموعة من الإجراءات، بل الإطار الذي حوّل الرؤية إلى قرارات متسقة، وربط بين الأولويات والموارد والتنفيذ، حتى أصبحت كل خطوة داخل المؤسسة تخدم هدفًا محددًا.

وهذا ما يفسر أن قيمة المنهجية لا تكمن في كثرة النماذج أو الأدوات، بل في قدرتها على تنظيم العمل، وتحديد المسؤوليات، وقياس التقدم، بما يضمن أن تتحول الرؤية إلى نتائج قابلة للقياس، لا إلى خطط تبقى حبيسة الوثائق.

أما من منظور تسويقي، فلا يقتصر دور التسويق على تنفيذ الأنشطة التسويقية، بل يسهم في بناء منهجية اتخاذ القرار من خلال تحويل بيانات السوق والعملاء إلى معايير واضحة لتحديد الأولويات، واختيار المبادرات الأكثر أثرًا، وقياس نتائجها باستمرار، ومن هنا تتجلى أهمية التميز التسويقي (Marketing Excellence)، إذ لا يتحقق بالأنشطة المنفردة، بل بمنهجية مؤسسية تجعل جميع الجهود التسويقية تعمل وفق معايير موحدة تحقق القيمة للعميل، وتعزز أداء المؤسسة.

فالمنهجية لا تضمن النجاح بمفردها، لكنها تجعل النجاح أكثر قابلية للتكرار والاستدامة، وإذا كانت الرؤية تحدد الاتجاه، فإن المنهجية تحدد الطريق الذي يقود إليه، غير أن الطريق وحده لا يكفي ما لم تعمل جميع مكونات المؤسسة في منظومة واحدة، وهو ما سنتناوله في المقال القادم عند الحديث عن المنظومة المتكاملة.