الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ نوفمبر-٢٠٢٦       3135

بقلم-أمل بازيد

ليست كل الشقوق علامةً على الهشاشة؛ فبعضها منافذ يدخل منها الضوء إلى أماكن فينا ظلّت طويلًا معتمة. نخرج من بعض التجارب بملامحنا ذاتها، لكننا لا نعود الأشخاص أنفسهم؛ تصبح أرواحنا أكثر انتباهًا، ونظرتنا إلى الناس أقل استعجالًا، وكلماتنا أكثر حذرًا، لأننا أدركنا أن خلف الوجوه الهادئة حكايات لم تُروَ، وخلف بعض الصمت ضجيجًا لا يسمعه أحد.

فالحياة لا تعلّمنا دائمًا بهدوء. بعض دروسها يأتي خوفًا، أو خذلانًا، أو انتظارًا طويلًا. تمرّ التجربة، لكنها تترك في القلب معرفةً لا تمنحها الكتب؛ نعرف بعدها كيف تثقل المشاعر حين لا تجد من يحتويها، وكيف تستطيع كلمة صادقة في وقتها أن تسند قلبًا متعبًا.

بعض المهارات نتعلمها ونحن بخير، أما الطمأنينة فنتعلم خياطتها ونحن نحاول ألّا نتمزق.

ولأننا عرفنا أيامًا احتجنا فيها إلى من يطمئننا، أصبحنا أكثر انتباهًا لارتجافة الصوت، وللصمت الذي يخفي وراءه حديثًا طويلًا، ولعبارة «أنا بخير» حين لا تشبه ملامح صاحبها.

وليس الألم في ذاته فضيلة، ولا كل من انكسر أصبح أكثر حكمة؛ لكن الإنسان حين يفهم ألمه ولا يسمح له بأن يتحول إلى قسوة، قد يصبح أكثر رفقًا. ولعل مصطفى صادق الرافعي لامس هذا المعنى بقوله: «من قواعد النفس أن الرحمة تنشأ من الألم».

فالوجع لا يسمو بالإنسان لمجرد أنه مرّ به، وإنما بما يختار أن يصنعه بعده. قد يصبح الجرح ذريعةً للقسوة، وقد يتحول إلى بصيرة تجعل صاحبه أبطأ في الحكم، وأعمق في الفهم، وأكثر احترامًا لما يخفيه الآخرون خلف صمتهم.

ولهذا ليست كل المواساة كلامًا. أحيانًا تكون أن تجلس بجوار إنسان دون أن تطالبه بشرح وجعه، وأن تمنحه الوقت دون أن تستعجل تعافيه، وأن تستمع إليه دون أن تحوّل ألمه إلى درس أو مقارنة. فالطمأنينة الحقيقية ليست في إلغاء خوف الإنسان، بل في ألّا تتركه وحيدًا أمامه.

ومن أجمل ما يمكن أن تصنعه التجارب فينا ألّا نورّث الآخرين قسوتها؛ أن نعرف متى نتكلم، ومتى يكون الصمت أرحم، ومتى يحتاج الإنسان إلى نصيحة، ومتى يحتاج فقط إلى قلب يتسع له دون سؤال.

وهنا تحضر العبارة المنسوبة إلى جلال الدين الرومي: «الجرح هو الكُوّة التي منها يدخلك النور».

وليس معنى ذلك أن الجراح ضرورة للنضج، أو أن الألم يستحق الامتنان لمجرد أنه حدث؛ بل إن بعض الشقوق قد تصبح، بعد أن تلتئم، منافذ نرى منها أنفسنا بصدق أكبر، ونفهم الآخرين برفق أعمق.

فالنجاة ليست أن نمحو ما حدث، وإنما أن نعبره دون أن نفقد أجمل ما فينا بسببه. أن يبقى القلب قادرًا على الرحمة، وألّا يصبح الإنسان نسخةً من الأشياء التي آذته.

هناك تحديدًا تبدأ خياطة الطمأنينة.

حين نحول معرفتنا بالخوف إلى أمان، وتجربتنا مع الوحدة إلى حضور، وما عرفناه من قسوة إلى حرص ألّا نضيف إلى قلبٍ آخر جرحًا جديدًا.

وقد لا يعرف من نطمئنه اليوم من أين جاءت قدرتنا على احتوائه، ولا كم ليلةً احتجناها حتى نتعلم تلك اللغة الهادئة. وهذا أجمل ما في الرحمة؛ أنها لا تستعرض تاريخ جراحها، بل تمنح أثر ما تعلمته منها في صمت.

ولعل أجمل انتصار على ما آلمنا ألّا نعيده في حياة إنسان آخر؛ أن نأخذ من الجرح معرفةً لا قسوة، ومن الخوف رحمةً لا فزعًا، ومن الانكسار وعيًا لا مرارة.

همسة أمل

لا تجعل شقوق قلبك أبوابًا تعود منها القسوة إلى العالم، بل اجعلها منافذ للضوء.

فربما تكون أجمل صور التعافي أن تصبح اليد التي كانت ترتجف يومًا، هي ذاتها اليد التي تعرف اليوم كيف تخيط الطمأنينة في قلبٍ آخر.

فمن شقوق القلب… يدخل الضوء.