الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ نوفمبر-٢٠٢٦       3190

بقلم- المستشار المحامي سعود عقل

لم تعد المشكلة في أن الإنسان فقد قدرته على التعبير عن مشاعره، بل في أنه أصبح يتقن وصفها أكثر مما يتقن ممارستها. نعيش في زمن يستطيع فيه المرء أن يكتب نصا مؤثرا عن الوفاء، ثم يخذل أقرب الناس إليه، وأن ينشر كلمات عميقة عن الرحمة، بينما يعجز عن إبداء شيء منها حين تستدعيها الحياة.
إنها مفارقة جيل ازدحمت شاشاته بالعواطف، وافتقرت بعض علاقاته إلى أبسط مظاهرها.
ففي العالم الرقمي، بات للحب قوالب جاهزة، وللاعتذار عبارات منمقة، وللاشتياق صور وأغان ورسائل تختصر المسافات، لكنها لا تختصر دائما البرود الذي يتسلل إلى العلاقات.
نكتب «اشتقت إليك» ولا نجد وقتا للقاء، ونرسل «أنا معك» ثم نغيب عند أول أزمة، وننشر عن قيمة العائلة بينما نجلس إلى أفرادها بأجسادنا، وتبقى عقولنا معلقة بشاشات هواتفنا.
والمفارقة الأكثر إيلاما أن الكلمات التي كانت جسورا للوصول إلى الآخرين، تحولت أحيانا إلى بدائل عن الوصول إليهم.
 فالتكنولوجيا لم تصنع إنسانا بلا مشاعر، لكنها منحت بعضنا وسائل سهلة للتعبير لا تتطلب بالضرورة التزاما أو تضحية. فأصبح من الممكن أن تبدأ علاقة برسالة، وتتعمق بعشرات المحادثات، وتنتهي بصمت مفاجئ، كأن الإنسان الذي كان يملأ ساعات يومنا لم يكن سوى إشعار عابر.
وهنا تكمن أزمة أعمق من مجرد سرعة التواصل؛ إنها سهولة الحضور وسهولة الانسحاب، وتراجع الإحساس بالمسؤولية تجاه الأثر الذي نتركه في نفوس الآخرين.
لقد أصبح بعض الناس يطلبون الطمأنينة بكلمات متكررة، فيما الطمأنينة الحقيقية لا يصنعها عدد الرسائل، بل ثبات المواقف.

إذ ليس من الإنصاف اتهام جيل كامل بضحالة المشاعر، ففي هذا الجيل من يملك وعيا إنسانيا عميقا، ومن وجد في التكنولوجيا وسيلة لإنقاذ علاقة من البعد، أو التعبير عن وجع عجز عن البوح به وجها لوجه.
لكن الخطر يبدأ حين نخلط بين التعبير عن القيمة وامتلاكها، وبين إعلان الحب والقدرة على تحمّل مسؤولياته، وبين التعاطف المكتوب والمساندة الفعلية.
فليس كل من كتب عن الحزن يعرف كيف يواسي، ولا كل من أتقن لغة الاهتمام يمتلك شجاعة البقاء.
لسنا بحاجة إلى التخلي عن هواتفنا، بل إلى استعادة الإنسان الذي يقف خلفها. إلى أن يصبح السؤال عن أحوال الآخرين رغبة صادقة في معرفة الجواب، لا مجرد افتتاحية لمحادثة. وأن نمنح من نحب وقتا لا تقتطعه الإشعارات، وأن نتعلم الإصغاء دون استعجال الرد، والاعتذار دون تبرير، والاهتمام دون انتظار مقابل.
فالمشاعر لا تفقد قيمتها لأنها كُتبت، وإنما تفقد صدقيتها عندما لا تجد ما يشبهها في الواقع.
وفي النهاية، ليست أزمة عصرنا أننا أصبحنا نكتب كثيرا عن الحب والوفاء والإنسانية، بل أننا أحيانا نستهلك هذه المعاني في الكلام حتى لا يبقى منها ما يكفي للحياة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نواجه به أنفسنا ليس: كم مرة قلنا لمن نحب إنهم مهمون في حياتنا؟ بل: كم مرة شعروا فعلا بأهميتهم من خلال أفعالنا؟
فالوجدان الحقيقي لا يُقاس بما تتركه أصابعنا على الشاشات، بل بما تتركه مواقفنا في القلوب.