الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ اكتوبر-٢٠٢٦       3520

بقلم- ياسين سالم

يعتمد النظام الانتخابي في الكيان  الإسرائيلي التمثيل النسبي، وتُعامل إسرائيل بوصفها دائرة انتخابية واحدة، يصوّت فيها الناخب لقائمة حزبية، وليس لرئيس الحكومة مباشرةً. ويضم الكنيست 120 مقعدًا، تتوزع على القوائم التي تبلغ العتبة الانتخابية. ولم يحصل أي حزب، طوال تاريخ الانتخابات السابقة، على أغلبية مطلقة تتيح له تشكيل الحكومة منفردًا، ما يجعل التحالفات عنصرًا أساسيًا في الوصول إلى السلطة.

ويمثّل تأمين دعم 61 نائبًا الطريق المعتاد لبناء أغلبية برلمانية تسند الحكومة، لكن نيل الثقة لا يستلزم دائمًا تصويت هذا العدد بالموافقة. وقد أظهرت انتخابات عام 2021 هذا الفارق، حين تصدّر الليكود النتائج، لكن نتنياهو أخفق في تشكيل الحكومة، ونجح خصومه لاحقًا في بناء ائتلاف بديل، نالت حكومته الثقة بأغلبية 60 صوتًا مقابل 59، مع امتناع نائب واحد. ولذلك، فإن تصدّر حزبٍ نتائج الانتخابات لا يمنحه تلقائيًا رئاسة الحكومة، ما لم يتمكن من تأمين الدعم البرلماني اللازم.

في هذا السياق، يسعى قادة الأحزاب والكتل المتنافسة إلى توسيع دائرة تفاهماتهم، من خلال مفاوضات تتناول البرنامج الحكومي، وتوزيع الحقائب الوزارية، والأولويات التشريعية. وقد تؤثر مقاعد الأحزاب العربية في هذه الحسابات، بحسب استعداد الأطراف للتفاهم، وحدود الخلافات التي تفصل بينها. ومن ثمّ، تتجاوز أهمية بعض الأحزاب الصغيرة حجمها العددي، عندما تصبح مقاعدها مؤثرة في ترجيح كفة ائتلافٍ على آخر.

وهنا ينبغي التمييز بين إعلان النتائج النهائية للاقتراع، الذي يرتبط باستكمال الفرز واعتماد توزيع المقاعد، وبين حسم هوية الحكومة، الذي يرتبط بمفاوضات التشكيل. فقد تتضح الخريطة البرلمانية خلال أيام، بينما يستغرق التوصل إلى ائتلاف حكومي أسابيع، وقد يمتد التعثر السياسي إلى أشهر. وإذا أخفقت محاولات التشكيل، فقد يتجه الكيان إلى انتخابات جديدة، مع استمرار الحكومة القائمة في تصريف الأعمال.

بهذا المعنى، يمثّل يوم الانتخابات بداية مرحلة أخرى من التنافس السياسي، تتداخل فيها الحسابات والمساومات والتنازلات. وتسمح هذه القراءة بفهم قدرة بنيامين نتنياهو على المناورة، مستفيدًا من خبرته الطويلة وعلاقاته الحزبية. لكنه يخوض المنافسة أيضًا في ظل تحديات سياسية وقضائية، من بينها محاكمته في قضايا فساد ينفي الاتهامات الموجّهة إليه فيها. ولا يصح الخلط بين بقائه في الحكم وحسم هذه القضايا؛ فالفوز الانتخابي، في ذاته، لا يمثّل حكمًا قضائيًا فيها.

ومهما كان الموقف منه ومن سياساته، فإن تمنّي خروجه من الحكم لا يكفي للتنبؤ بالنتيجة. فالحكم على فرص بقائه أو مغادرته يقتضي قراءة توزيع المقاعد، وتماسك حلفائه، وقدرة خصومه على تجاوز خلافاتهم وتشكيل بديل قابل للحياة. كما أن إبعاده عن رئاسة الحكومة لا يتطلب اتفاق جميع الأحزاب، بقدر ما يتطلب تأمين دعم برلماني كافٍ لحكومة بديلة.

ويتقاطع هذا المشهد، في جانبٍ منه، مع التجربة العراقية، حيث لا يضمن تصدّر قائمةٍ انتخابية انفرادها بتشكيل الحكومة، وتؤدي المفاوضات بين الكتل والقوى السياسية دورًا مؤثرًا في تحديد التحالف الحاكم. وقد شهدت انتخابات عراقية سابقة عجز الكتلة المتصدرة عن فرض مرشحها لرئاسة الحكومة. غير أن هذا التشابه يظل متعلقًا بأهمية التفاهمات اللاحقة للاقتراع، مع وجود اختلافات في القواعد الدستورية والنظم الانتخابية والسياقات السياسية بين التجربتين.

تمنح صناديق الاقتراع الأحزاب أوزانها البرلمانية، ثم تحدد قدرتها على بناء التحالفات كيفية تحويل هذه الأوزان إلى سلطة. ولهذا، فإن قراءة المشهد الإسرائيلي تحتاج إلى متابعة ما تُنتجه الصناديق، وما تصنعه المفاوضات بعدها؛ فبين الفوز بالمقاعد والقدرة على الحكم، مساحةٌ تحسمها السياسة.