الكاتب : عبدالله الكناني
التاريخ: ٢٤ اكتوبر-٢٠٢٦       2695

بقلم ـ عبدالله الكناني 

تكتبُ المملكةُ العربيةُ السعوديةُ  صفحاتِ الشرفِ بأفعالها، وتجسدَ المعنى الأصيلُ للأخوةِ بمواقفَ ثابتة، ومسؤوليات تضطلعُ بها، وتضحيات تبذلها.

وعندما نستعيد شيئًا من تاريخها، فإنما نذكر نماذج من مسيرة ممتدة، تنشيطًا للذاكرة وإنصافًا للحقيقة، لا مِنّةً على شقيق، ولا انتقاصًا من صديق، فبعض المواقف أكبر من أن تختصرها خصومة عابرة، وأرسخ من أن تمحوها سردية إعلامية جاحدة.

منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز -رحمه الله-، حضرت قضايا العرب والمسلمين في صميم السياسة السعودية، وكانت فلسطين شاهدًا مبكرًا على ذلك، في دفاعه عن حقوق شعبها، ومخاطباته مع القوى الدولية، ومنها رسالته إلى الرئيس الأمريكي روزفلت عام 1945م، ليتأسس نهج يجمع بين استقلال القرار والوفاء بمسؤولية الانتماء، ويجعل قوة الدولة مُعينًا على نصرة الحقوق وخدمة الاستقرار. 

امتد النهج عبر أبنائه الملوك، فوقف  الملك سعود مع مصر إبّان العدوان الثلاثي، وساند نضال الشعب الجزائري من أجل الاستقلال، بالدعم المالي والتحرك الدبلوماسي للدفاع عن قضيته في الأمم المتحدة، ثم جسّد الملك فيصل في حرب 1973م موقفًا تاريخيًا باستخدام النفط أداة ضغط سياسي، واحتضنت الرياض في عهد الملك خالد قمة عام 1976م لوقف نزيف الدم اللبناني، فاختلفت الساحات، وبقي الموقف السعودي حاضرًا حين تكون الأخوّة مسؤولية تستدعي العمل. 

في عهد الملك فهد، بلغ هذا الالتزام منعطفًا مصيريًا بالوقوف مع الكويت، واستضافة حكومتها وأبنائها، والمشاركة في تحريرها من الاحتلال العراقي، ثم حمل الملك عبدالله رؤية للسلام العادل، عبّرت عنها مبادرته التي طرحها عام 2002م، حين كان وليًا للعهد، وأصبحت مبادرة السلام العربية، وتلك شواهد على سياسة تدرك متى يكون الحزم ضرورة، ومتى تكون المبادرة طريقًا لحفظ الحقوق وحقن الدماء. 

يتواصل هذا المسار في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- ، وتتسع أدواته لتشمل المساندة السياسية، والإغاثة الإنسانية، والشراكات التنموية، ودعم الاستقرار المالي، ففي باكستان وقّع الصندوق السعودي للتنمية عام 2021م اتفاقية وديعة بقيمة ثلاثة مليارات دولار لدعم احتياطي النقد الأجنبي، وفي السودان أودعت المملكة عام 2019م مبلغ 250 مليون دولار في البنك المركزي، ضمن حزمة دعم مشتركة مع الإمارات، في ترجمة عملية لمساندة اقتصادات الأشقاء وقت الضغوط.

في سوريا ، أسهمت المملكة وقطر عام 2025م في سداد المتأخرات المستحقة للبنك الدولي، بما أعاد أهلية البلاد للحصول على تمويلات جديدة وفق سياساته، وفي العراق أعلنت المملكة عام 2018م تخصيص مليار دولار لمشروعات إعادة الإعمار عبر الصندوق السعودي للتنمية، وفي البحرين تشهد منحة المليار ريال لإنشاء مدينة الملك عبدالله بن عبدالعزيز الطبية على عطاء يتحول إلى مؤسسات تخدم الإنسان، وتبقى فائدتها للأجيال.

هذه بعض الشواهد، وليست حصرًا للمواقف، فمن الجزائر إلى فلسطين، ومن باكستان إلى السودان وسوريا والعراق ومصر والبحرين ولبنان، يمتد حضور سعودي تتعدد صوره وتلتقي غاياته في مساندة الشعوب، ودعم استقرار الدول، وفتح أبواب التنمية، وتشهد عليه مشروعات تحمل أسماء ملوك بلادنا، ومرافق صحية وتعليمية، وطرق وشبكات مياه، وودائع تسند احتياطيات اقتصادات شقيقة في أوقات الحاجة.

لقد تجاوزت المشروعات والبرامج التي موّلها الصندوق السعودي للتنمية منذ بدء نشاطه عام 1975م ثمانمائة مشروع وبرنامج، وفق بياناته المنشورة في سبتمبر 2025م، غير أن قيمة هذا الحضور تتجاوز الأرقام إلى مدرسة تفتح أبوابها، ومستشفى يستقبل مرضاه، ومياه تصل إلى محتاجيها، وفرصة عمل تحفظ لأسرة كرامتها، فهنا يصبح التضامن أثرًا يعيشه الناس، وتصبح التنمية وجهًا من وجوه الوفاء.

من هذا المنظور تُفهم أهمية المساندة السعودية في تقوية قدرة الدول على مواجهة أزماتها، والحد من مخاطر الانهيار الاقتصادي والمؤسسي، فالوديعة تعزز الاحتياطيات، والتمويل يساند الخدمات، والإغاثة تخفف معاناة الإنسان، وهي أدوات تتكامل مع جهود الأشقاء والشركاء لحماية الاستقرار، وقد كانت المملكة في مواقف كثيرة طرفًا مبادرًا يتحمل مسؤوليته، إدراكًا بأن اضطراب الجوار تتجاوز كلفته الحدود.

في اليمن، يتجلى هذا المعنى في مساندة الحكومة الشرعية والشعب اليمني، والسعي إلى استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الصراع، وقد جمعت المبادرة السعودية المعلنة عام 2021م بين وقف القتال وفتح الطريق إلى تسوية سياسية، إلى جانب استمرار الدعم الإنساني، فاستقرار اليمن مصلحة مشتركة، وحماية شعبه من استمرار الحرب تستلزم دولة تحتكم إليها القوى، ولا تخضع مؤسساتها للسلاح الحوثي والانقلاب.

عند هذه المنعطفات ،يصبح توقيت الموقف جزءًا من قيمته،  فالنصرة التي تتأخر عن ساعة الحاجة تفقد من أثرها، والأخوّة التي تُقدَّم معها فاتورة مساومة تجرح الثقة*، ومن *حق المملكة  أن تزن شراكاتها بصدق الالتزام واحترام السيادة، وأن ترفض تحويل أزمات المنطقة إلى فرصة لابتزازها، فالتعاون المتكافئ يزيد الجميع قوة، أما المزايدة بالأعداد والعتاد فلا تصنع وحدها وزنًا استراتيجيًا، ولا تمنح صاحبها وصاية على قرار الآخرين.  

تطورت معادلات القوة، وأصبح التدريب والتقنية والاستخبارات والصناعة والإمداد عناصر حاسمة في فاعلية الجيوش، وتعمل المملكة على توطين قدراتها الدفاعية وتوسيع قاعدتها الصناعية، وقد بلغت نسبة توطين الإنفاق العسكري 24.89% عام 2024م، في مسار يعزز استقلال القرار، ويمنح المعرفة والصناعة مكانتهما في حماية الوطن، فالقوة تُبنى بالإنسان المؤهل، وبالقدرة على امتلاك التقنية وتطويرها وحسن توظيفها.

تستند هذه المسيرة، بعد التوكل على الله، إلى قيادة وشعب ومؤسسات، وإلى أبناء الصحراء والجبال والسواحل، حماة الديار المقدسة وبُناتها وخُدّامها، شعبٌ يعتز بدينه وعقيدته وقيمه، ويصل شجاعة الموروث بعلم العصر، ويرى في رؤية بلاده مشروعًا للنماء وصناعة المستقبل، وفي تماسك صفّه أساسًا لحماية مكتسباته وصون سيادته.

تبقى الشعوب  أوسع من ضجيج المنصات، وأبقى من حملات الإساءة، سواء صدرت عن مؤسسات أو أفراد، ومن مقتضى الثقة بالموقف السعودي ألّا تُختزل الشعوب في أصوات الحقد، وألّا يُترك التضليل يصادر ذاكرتها، فالمملكة تواصل مساندتها بصدق، وتحفظ للشريك الوفيّ موقفه، ولا تجعل إساءة عابرة ميزانًا لعلاقتها بشعب، أو سببًا للتخلي عن مسؤوليتها الإنسانية.

إنها السعودية الأبيّة، مكسبٌ لمن يصدق شراكتها ويحترم سيادتها، وقد حفظت ذاكرتها للأشقاء والأصدقاء مواقفهم النبيلة، مثلما حفظ التاريخ لها وقفاتها الرائدة، نستحضر هذه الصفحات تذكيرًا لا مِنّة، واعتزازًا لا تعاليًا، وإنصافًا لحقيقة تظل أكبر من محاولات حجبها.

هذه السعودية 🇸🇦 ، دولةٌ تعرف قدرها، وتصون قرارها، وتعمل لرقيّ شعبها ونماء العالم من حولها، وحين يُسأل عن صفحة شرفها، تتحدث المواقف، وحين يُبحث عن معنى الوفاء، يكون الوطن السعودي شاهدًا عليه.