الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ اكتوبر-٢٠٢٦       2970

بقلم - المحامي . مفرح بن عبد المحسن الفالح 
يرحل المورّث، وتبقى خلفه أموال جمعها بكدّ السنين، وعقارات بناها بعرق الجبين، وورثة كان يأمل أن يكون ما تركه عونًا لهم على الحياة، فإذا ببعض تلك الأموال تتحول بعد وفاته إلى ميدان للخصومات، وسبب للقطيعة، ومصدر لظلم الأقربين. وما أشد المفارقة حين يصبح بيت المورّث الذي جمع أسرته في حياته مسكنًا لبعضهم بعد وفاته، بينما يُحرم الآخرون من الانتفاع به أو الحصول على نصيبهم منه!
إن تأخير قسمة المواريث من القضايا التي تتجاوز آثارها الجانب المالي إلى العلاقات الأسرية والروابط الاجتماعية، ولا سيما حين يستأثر بعض الورثة بأموال التركة ومنافعها، وتظل حقوق الآخرين معلّقة لسنوات، حتى يصبح طلب الميراث سببًا للعتاب، والمطالبة بالقسمة مدعاة للخصومة، وكأن المحافظة على صلة الرحم تقتضي التنازل عن الحقوق أو السكوت عن تعطيلها.
وقد تولى الله سبحانه وتعالى بيان أنصبة المواريث، فقال جل شأنه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: 7]. فتقرير النصيب المفروض يؤكد أن الإرث حق شرعي ثابت، لا يتوقف استحقاقه على رضا بعض الورثة أو موافقتهم.
وجاء نظام الأحوال الشخصية السعودي منظمًا لهذه الحقوق؛ فعرّفت المادة (197) التركة بأنها ما يخلفه الإنسان بعد موته من الأموال والحقوق المالية، وحددت المادة (198) ترتيب الحقوق المتعلقة بها، بدءًا بتجهيز الميت بالمعروف، ثم قضاء ديونه، وتنفيذ وصيته، وقسمة ما تبقى على الورثة.
ومن أبرز صور النزاع في التركات استئثار بعض الورثة بالعقارات الموروثة؛ فقد ينفرد أحدهم بالسكن في منزل المورّث سنوات طويلة، أو يتولى آخر تأجير عمارة سكنية وتحصيل إيراداتها، أو يستغل بعضهم محلات تجارية أو مزارع تعود ملكيتها إلى التركة، دون تنظيم واضح لحقوق بقية الورثة في تلك المنافع.
ومما ينبغي تقريره أن إقامة أحد الورثة في عقار المورّث قبل وفاته لا تمنحه ملكية مستقلة له بعد الوفاة، كما أن توليه إدارة العقارات لا يخوله التصرف في حصص الآخرين دون مسوغ شرعي أو نظامي.
وقد نظم نظام المعاملات المدنية أحكام الملكية الشائعة؛ إذ قررت المادة (621) أن إدارة المال الشائع تكون من حق الشركاء مجتمعين، ما لم تقتضِ النصوص النظامية أو الاتفاق خلاف ذلك، كما نظمت المادة (622) سلطة الأغلبية في أعمال الإدارة المعتادة، وأجازت تدخل المحكمة لتعيين مدير عند عدم توافر الأغلبية، بناءً على طلب أحد الشركاء.
ولا يعني ذلك منع أحد الورثة من السكن في العقار الموروث أو الانتفاع به؛ فقد يكون انتفاعه قائمًا على موافقة بقية الشركاء أو اتفاق مشروع. أما إذا ثبت استئثاره بمنفعة العقار وحرمان الآخرين منها دون مسوغ، فقد تنشأ عن ذلك مطالبة بأجرة المثل أو التعويض، بحسب ظروف الواقعة وما يثبت فيها من إذن أو اعتراض أو ضرر.
وأجرة المثل هي المقابل الذي يقدره أهل الخبرة للانتفاع بالعقار خلال المدة محل النزاع، بالنظر إلى موقعه وطبيعته وحالته وقيمته الإيجارية. أما الإيرادات المحصلة من تأجير عقارات التركة، فتخضع للمحاسبة وفق حقوق الشركاء والاتفاقات القائمة والمصروفات المستحقة، ولا تصبح ملكًا منفردًا لمن تولى تحصيلها.
وفي هذا السياق، نظم نظام المعاملات المدنية في المادتين (634) و(635) قسمة منافع المال الشائع بطريق المهايأة الزمانية أو المكانية، بما يتيح تنظيم الانتفاع بين الشركاء، سواء بتخصيص مدد معينة لكل منهم أو بتحديد الأجزاء التي ينتفعون بها، وفق الأحكام المقررة نظامًا.
ومن الإشكالات التي تسهم في إطالة منازعات المواريث امتناع بعض الورثة عن القسمة بحجة المحافظة على عقارات الأسرة، مع استمرار انتفاعهم بها. ولا شك أن الإبقاء على منزل العائلة قد يكون محل اتفاق محمود، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب حقوق من يرغب في الحصول على نصيبه.
وقد عالج النظام هذه المسألة؛ إذ أجازت المادة (627) من نظام المعاملات المدنية لمن يريد الخروج من الشيوع طلب القسمة القضائية، ما لم يوجد مانع معتبر، ونظمت المادة (628) قسمة المال عينًا متى أمكن ذلك، أو بيعه بالمزاد عند تعذر القسمة العينية، وفق الشروط والضوابط النظامية.
ولا تقل أهمية الإفصاح عن أموال التركة عن أهمية قسمتها؛ إذ قد يجهل بعض الورثة ما خلّفه مورّثهم من عقارات وأرصدة واستثمارات، أو مقدار الإيرادات الناتجة عنها. وقد قررت المادة (40) من لائحة نظام الأحوال الشخصية حق أي من الورثة في طلب المعلومات المتعلقة بأموال مورّثه وحقوقه الثابتة والمنقولة من الجهات المختصة والمشرفة على تسجيل الأموال، والحصول على الكشوفات المحددة فيها، وفق الأحكام النظامية ذات الصلة.
وفي سبيل معالجة هذه الإشكالات، فإن أولى الخطوات العملية تبدأ بحصر الورثة والتركة، وإعداد بيان بأصولها والتزاماتها، يشمل العقارات والأموال النقدية والاستثمارات والديون والحقوق المالية. وقد يسّرت وزارة العدل جانبًا من هذه الإجراءات عبر منصة التركات، بما توفره من خدمات لحصر الورثة والتركة والقسمة الاتفاقية وفق الضوابط المعتمدة.
ومن المناسب كذلك أن يتفق الورثة على تنظيم إدارة الأموال المشتركة خلال الفترة السابقة للقسمة، بتحديد المسؤول عن العقارات وإيراداتها، وصلاحياته، وآلية توثيق الإيرادات والمصروفات وتقديم كشوف الحساب، مع الاستعانة بالمختصين في التقييم المالي والعقاري عند الحاجة.
أما العقارات التي يشغلها بعض الورثة، فيمكن تسوية الانتفاع بها باتفاق مكتوب يحدد مدته ومقابله، أو بشراء المنتفع حصص بقية الشركاء الراغبين في البيع وفق تقييم عادل، أو الاتفاق على قسمة المنافع، أو اللجوء إلى القسمة القضائية عند تعذر الاتفاق.
ومن المهم ألا تقتصر التسوية على تحديد مصير العقارات مستقبلًا، بل تشمل مراجعة الإيرادات السابقة متى كانت محل مطالبة، والتحقق من عقود الإيجار والمبالغ المحصلة والمصروفات، وتقدير ما قد يستحقه الورثة من حقوق مالية عن فترات الانتفاع، وفق ما تثبته المستندات والأدلة.
كما ينبغي الحذر من التخارج أو التنازل قبل الإحاطة بأموال التركة وقيمتها؛ فقد نظم نظام الأحوال الشخصية التخارج في المادتين (243) و(244)، وأوجب توثيقه، وأجاز طلب إبطاله في حالات معينة تتعلق بالجهل بحال التركة، وفق الشروط المنصوص عليها نظامًا.
وإذا تعذر اتفاق الورثة، فإن الصلح يظل وسيلة مناسبة لإنهاء النزاع والمحافظة على الروابط الأسرية، ويمكن الاستفادة من منصة «تراضي» التابعة لوزارة العدل للوصول إلى تسوية موثقة. أما عند استمرار الخلاف، فيبقى اللجوء إلى القضاء حقًا مشروعًا؛ وقد أسندت المادة (33) من نظام المرافعات الشرعية إلى محاكم الأحوال الشخصية الاختصاص بمسائل الإرث وقسمة التركات، بما فيها العقارات، في الحالات المحددة نظامًا.
ومن الإنصاف التفريق بين التأخير الذي تقتضيه إجراءات حصر الأموال وتسوية الديون والحقوق، وبين المماطلة التي يقصد بها الاستئثار بالمنافع أو تعطيل حقوق المستحقين؛ فليس كل تأخير اعتداءً، كما أن المسؤولية عن الانتفاع بالعقار المشترك تتحدد بحسب طبيعة التصرف وظروفه والأدلة المتعلقة به.
ولعل الجانب الأكثر إيلامًا في هذه المنازعات ما تخلّفه من آثار على بعض الورثة، خصوصًا من تقل قدرتهم على المطالبة بحقوقهم، أو تشتد حاجتهم إلى نصيبهم من التركة. وقد تتوارث الأجيال خلافات لم تُحسم، فتتداخل المواريث وتتعدد الأطراف، ويصبح إنهاء النزاع أكثر تعقيدًا بمرور السنين.
إن المحافظة على الروابط الأسرية مقصد نبيل، لكنها لا تتحقق بتعطيل الحقوق، وإنما بالعدل والوضوح والوفاء بالأمانات. والمبادرة إلى قسمة التركات، وتنظيم الانتفاع بأموالها، وتسوية الخلافات بشأنها، من أسباب حفظ المودة ومنع الخصومات قبل استفحالها.
وليس الوفاء للمورّث أن تبقى أمواله معلّقة أو عقاراته سببًا لنزاع ورثته، وإنما أن تؤدى الحقوق المتعلقة بتركته، ويصل إلى كل مستحق نصيبه، وفق ما قررته الشريعة ونظمته الأنظمة.
فالتركة التي جمعها المورّث طوال حياته ينبغي أن تكون عونًا لورثته بعد وفاته، لا عبئًا تتوارثه الأجيال، ولا سببًا لقطيعة الأرحام.
وإذا كان الموت قد أنهى ملك المورّث، فلا ينبغي أن يكون بداية لظلم ورثته؛ فالعدل في قسمة الميراث وفاءٌ للأموات، وإنصافٌ للأحياء.