الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ اكتوبر-٢٠٢٦       2750

بقلم ـ د. علي بن عالي السعدوني

قراءة أسلوبية في قصيدة الشاعر سعيد آل منصور.

ليست كل قصيدة وطنية قادرة على مغادرة حدود الكلمات التي صيغت بها لتستقر في وجدان الناس وتصبح جزءًا من مشاعرهم التي يحملونها تجاه وطنهم وقيادتهم، فبعض القصائد تظل أسيرة مناسبتها مهما ارتفعت نبرتها واشتدت عاطفتها وبعضها يجد طريقه إلى النفوس لأنه يلامس شيئًا أصيلًا في طبيعة الإنسان الذي يرى في وطنه امتدادًا لتاريخه وفي قيادته رمزًا لوحدته وفي الوفاء قيمة لا تحتاج إلى كثير من الشرح والتفسير، ومن هذا الباب يمكن قراءة قصيدة (إبشر بنا) للشاعر سعيد آل منصور الذي استطاع أن يجعل من العبارة الشعبية المألوفة مدخلًا إلى خطاب شعري تتداخل فيه الحماسة مع الاعتزاز وتتجاور فيه صور الفروسية القديمة مع معاني الانتماء الوطني المعاصر حتى يشعر القارئ أنه أمام شاعر لا يبحث عن مفردات كبيرة ليثبت صدق عاطفته وإنما يستدعي من لغته القريبة إلى الناس ما يكفي لتشكيل موقف له جذوره في الذاكرة وله حضوره في الوجدان.

يستهل الشاعر قصيدته بقوله:

إبشر بنا وابشر بنا وابشر بنا

يا سيدي سلمان عز المسلمين

ومن يتأمل هذا المطلع يدرك أن الشاعر لم يكرر عبارة (إبشر بنا) ثلاث مرات لزيادة الإيقاع أو استكمال الوزن وحده، وإنما أراد أن يمنح الكلمة ما تستحقه من قوة نفسية وأن يجعلها تتردد في سمع المتلقي حتى تتحول من بشارة عابرة إلى وعد يستقر في النفس ويزداد رسوخًا مع كل إعادة، فالتكرار في هذا الموضع يحمل وظيفة تتجاوز التأكيد المعروف في الدرس البلاغي إلى صناعة شعور جماعي تتداخل فيه الطمأنينة مع الثقة وتمتزج فيه العاطفة بالاستعداد، وكأن الشاعر يفتح باب القصيدة بصوت رجل واحد ثم تتسع العبارة شيئًا فشيئًا حتى يسمع القارئ خلفها أصوات جماعة كاملة تشترك في الشعور نفسه وتحمل الموقف ذاته، وتلك واحدة من خصائص الشعر الذي يعرف كيف يستثمر بساطة اللغة في الوصول إلى المعاني الكبيرة دون أن يثقلها بالتكلف أو يستعير لها من الغموض ما يحجب طبيعتها الإنسانية.

والأعمق من التكرار نفسه أن الشاعر اختار ضمير الجماعة في قوله (بنا) ولم يختر ضمير المفرد الذي كان يستطيع أن يجعل منه وسيلة لإظهار شجاعته الشخصية، لأن القصيدة منذ مطلعها لا تريد صناعة بطل منفرد يتحدث عن نفسه وإنما تسعى إلى تشكيل صورة جماعية يكون الفرد فيها جزءًا من كيان أكبر وتصبح شجاعته امتدادًا لشجاعة الآخرين، ولذلك تتردد في الأبيات ألفاظ (حنا) و(عزمنا) و(صفنا) و(روسنا) و(عهدنا) وكأن الضمير الذي ولد في المطلع أخذ يتنقل بين الكلمات ليجمع أطراف القصيدة ويمنحها وحدة داخلية تتجاوز انتظام الوزن والقافية، وهذه الخصيصة تكشف أن الشاعر لم يجعل الجماعة موضوعًا يتحدث عنه من الخارج وإنما جعلها صاحبة الصوت الذي ينطق به النص ويتحرك في أرجائه.

ويقول الشاعر:

حنا جنودك لا دعانا حتفنا

نارد على حوض المنايا صاملين

ولعل ما يمنح هذا البيت نبرته الخاصة ذلك اللقاء بين اللغة الشعبية التي نسمعها في مجالس الناس وبين الصورة الشعرية التي عاشت طويلًا في تراث الفروسية العربية، فلفظة (حنا) تحتفظ بعفويتها وقربها من اللسان اليومي بينما تستدعي عبارة (حوض المنايا) عالمًا واسعًا من المعاني التي ارتبطت بالإقدام والمواجهة وعدم الخوف من المصير، وقد أحسن الشاعر في جمع هذين المستويين داخل تركيب واحد لأن الحوض في أصله موضع يقصده الإنسان طلبًا للماء الذي تقوم به الحياة غير أنه يتحول في هذا البيت إلى مورد للموت تتجه إليه الجماعة بثبات، وبذلك تنشأ مفارقة تصويرية بين الحياة والفناء تجعل الشجاعة أكثر حضورًا في الخيال من أي وصف مباشر للجرأة والإقدام، وتصبح كلمة (صاملين) بما تحمله من دلالة شعبية على الصلابة والثبات خاتمة مناسبة لصورة أراد صاحبها أن يقدم الرجال وهم يقبلون على المخاطر بثقة لا تعرف التردد.

ويمضي الشاعر في بناء صورة العزيمة بقوله:

ما هزّت الدنيا رواسي عزمنا

ونطوع الكايد بسيف الفاتحين

وهذا البيت يكشف عن قدرة الصورة الشعرية على منح المعنى المجرد هيئة يستطيع الإنسان أن يتخيلها أمام عينيه، فالعزم الذي لا يرى ولا يلمس يصبح في لغة الشاعر رواسي شامخة تقاوم الاضطراب وتواجه الدنيا بما تحمله من تقلبات وشدائد دون أن تفقد ثباتها، وقد اختار الشاعر النفي في قوله (ما هزّت) ليجعل الصمود نتيجة مواجهة افتراضية بين قوة الدنيا وصلابة الإرادة ثم انتقل إلى الفعل (نطوع) ليخرج الصورة من سكون الجبال إلى حركة الإنسان القادر على تجاوز الصعاب وإخضاع ما يعترض طريقه، وكأن القوة التي يريد النص الاحتفاء بها لا تقف عند حدود الصبر على الشدائد وإنما تمتد إلى القدرة على مواجهتها والتغلب عليها، وهي علاقة دقيقة بين الثبات والفعل تمنح البيت قيمته الأسلوبية وتجعل الصورة أقرب إلى التعبير عن شخصية الجماعة منها إلى وصف شجاعة عابرة.

وتتعمق هذه الصورة في قوله:

لا ثارت الهيجا تلاحم صفنا

نسقي العدا كأس المذلة صاغرين

فالشاعر يجعل اشتداد المواجهة سببًا لازدياد التلاحم ولا يصور الخطر عاملًا يفرق الصفوف أو يضعف العزائم، وهي مفارقة نفسية تستمد أثرها من انقلاب النتيجة التي قد يتوقعها الإنسان أمام الشدائد ثم ينتقل إلى صورة (كأس المذلة) التي ترتبط في معناها بصورة (حوض المنايا) السابقة وتعيد تشكيل العلاقة بين الجماعة وخصومها، فالجماعة التي صورت في بداية القصيدة وهي ترد حوض الموت بإرادتها تصبح في هذا الموضع قادرة على أن تسقي أعداءها كأس الهوان، ومن هذا التبادل التصويري تتشكل مقابلة تحمل معنى التفوق المعنوي قبل أن تحمل معنى الغلبة المادية، ويزداد الأثر وضوحًا في التقارب الصوتي بين (صاملين) و(صاغرين) الذي يجمع كلمتين متشابهتين في الجرس مختلفتين في الدلالة، فالأولى ترفع صورة الجماعة إلى مقام الثبات والثانية تنزل بصورة الخصم إلى مقام الانكسار، وكأن الشاعر أراد أن يجعل الأذن تسمع هذا الاختلاف بالقدر الذي يدركه العقل.

ومن المواضع التي تستدعي قراءة أعمق انتقال الشاعر إلى الحديث عن الأمير محمد بن سلمان في قوله:

ومحمّد اللي للمعالي قادنا

درعك ونبراس الرؤى للطامحين

فهذا البيت يخرج بالقصيدة قليلًا من دائرة الفروسية التقليدية إلى أفق أوسع تتجاور فيه معاني الحماية والطموح إذ تحمل صورة (الدرع) دلالة القوة التي تصون وتحمي بينما تستدعي صورة (النبراس) معنى النور الذي يكشف الطريق أمام السائرين ويمنحهم القدرة على معرفة وجهتهم، وقد جمع الشاعر بين الصورتين في تركيب قصير ليقدم صورة للقيادة لا تقتصر على حماية الحاضر وإنما تمتد إلى استشراف المستقبل وصناعة الطموح، ولذلك تبدو لفظة (الرؤى) ذات أهمية خاصة في هذا السياق لأنها تنقل الخطاب من معجم السيوف والمنايا والهيجا إلى معجم يتصل بالتفكير والعمل والتطلع إلى المعالي، وفي هذا الانتقال تتجلى إحدى اللحظات الفنية التي تتسع فيها القصيدة لتستوعب معنى البناء إلى جانب معنى الحماية وتربط الاعتزاز بالماضي بالثقة فيما يمكن أن يصنعه المستقبل.

ويقول الشاعر:

فوق الثريا شامخات روسنا

في هيبة تخرس لسان المرجفين

تستدعي صورة (الثريا) تقليدًا عربيًا قديمًا في المبالغة الشعرية التي تجعل العلو المكاني تعبيرًا عن رفعة المقام غير أن الشاعر لا يتوقف عند هذا المعنى وإنما ينتقل إلى صورة أخرى تستحق العناية عندما يجعل الهيبة قادرة على إسكات ألسنة المرجفين، ففي هذه العبارة تتحول المواجهة من صراع تقوم به السيوف إلى صراع تصنعه الكلمات وتؤثر فيه الشائعات وتتنازع داخله مشاعر الثقة والخوف، وهذا التحول يحمل دلالة ثقافية تتجاوز حدود المدح لأنه يكشف أن الجماعة التي يحتفي بها النص لا تواجه الأخطار المادية وحدها وإنما تواجه كذلك ما يمكن أن يصنعه الكلام من اضطراب في النفوس، وقد جاءت لفظة (المرجفين) محملة بما استقر في الذاكرة العربية من معاني إثارة القلق والاضطراب لتمنح العبارة قوة تتجاوز معناها المباشر.

وعند النظر إلى الموسيقى الداخلية للقصيدة نجد أن الشاعر أحسن استثمار التردد الصوتي في نهايات الأشطر التي تعود فيها ألفاظ (بنا) و(عزمنا) و(صفنا) و(قادنا) و(عهدنا) و(كلّنا)، وهذه النهايات لا تؤدي وظيفة القافية وحدها وإنما تعيد ضمير الجماعة إلى سمع القارئ بصورة مستمرة حتى يصبح الإيقاع نفسه شريكًا في تأكيد الوحدة التي قامت عليها التجربة الشعرية، وتقابلها نهايات من قبيل (صاملين) و(الفاتحين) و(الطامحين) و(المرجفين) بما تحمله من امتداد صوتي يمنح القصيدة نبرة مناسبة للإلقاء والحماسة، وقد ساعد هذا التوزيع على أن تكون الموسيقى منسجمة مع طبيعة الخطاب الذي يريد الوصول إلى الناس بلغة واضحة ونبرة قوية دون أن يفقد انتظامه الفني.

وتبلغ القصيدة أكثر مواضعها اتصالًا بمعنى الوفاء في قول الشاعر:

يا خادم البيتين هذا عهدنا

ثابت على مر الليالي والسنين

فكلمة (العهد) تختلف في طبيعتها الشعورية عن الكلمات التي سبقتها في سياق الحماسة والمواجهة، لأنها تنقل المتلقي من حرارة اللحظة إلى امتداد الزمن وتمنح الوعد الذي افتتحت به القصيدة معنى الاستمرار الذي لا يرتبط بظرف عابر أو موقف مؤقت، وقد جاء النداء (يا خادم البيتين) محملًا بمكانة الحرمين الشريفين في الوجدان الإسلامي ليضيف إلى الخطاب بعدًا دينيًا وثقافيًا يجعل الوفاء متصلًا بصورة القيادة ومسؤوليتها ورمزيتها ثم تأتي عبارة (مر الليالي والسنين) لتضع العهد أمام الزمن بما يحمله من تغير الأحوال وتعاقب الظروف وتؤكد أن قيمة الوفاء لا تكتمل بمجرد إعلانه وإنما تتجلى في بقائه ثابتًا مهما امتدت الأيام.

وتجيء الخاتمة:

تامر وحنا رهن أمرك كلّنا

جندك وسيفك يا إمام المسلمين

فتعيد القصيدة إلى المنبع الذي بدأت منه وتغلق دائرتها التعبيرية على ضمير الجماعة الذي ظل حاضرًا في معظم الأبيات، وقد جمعت هذه الخاتمة بين الفعل (تامر) والاسم (أمرك) في تردد اشتقاقي يعمق معنى الاستجابة ويجعل العلاقة بين المخاطب والمتكلم قائمة على صورة العهد الذي يعلنه النص ثم تأتي لفظة (كلّنا) لتبلغ بالصوت الجمعي أقصى اتساعه وكأن الشاعر الذي بدأ بعبارة قصيرة تحمل وعدًا مفتوحًا أراد أن يختم قصيدته بإعلان جامع يستوعب كل الصور والمعاني التي سبقت، وبذلك يتحقق التماسك بين المطلع والخاتمة وتصبح الأبيات الواقعة بينهما تفصيلًا شعريًا لذلك الوعد الأول.

ومع ما تحمله القصيدة من حرارة وطنية وصدق وجداني فإن القراءة النقدية لا تستطيع أن تغفل أن عددًا من صورها يستند إلى تراكيب مألوفة في الشعر العربي والنبطي، فحوض المنايا وسيف الفاتحين وكأس المذلة والثريا كلها صور عرفتها قصائد الفخر والحماسة وترددت بأشكال متعددة في ذاكرة الشعراء، ولذلك فإن موضع التميز في هذا النص لا يقوم على ابتداع خيال غير مسبوق وإنما على طريقة الشاعر في ترتيب تلك الصور داخل بناء تتكرر فيه الضمائر وتتساند فيه الأفعال وتتدرج فيه المعاني من البشارة إلى الصمود ثم إلى العهد، وربما كان اعتماد الشاعر على الصورة الموروثة سببًا في قرب النص من المتلقي وسهولة استحضار معانيه لأن اللغة التي يتحدث بها تنتمي إلى ذاكرة مشتركة يعرف الناس إشاراتها وتستجيب نفوسهم لما تحمله من دلالات.

ولعل ما يستحق التقدير في تجربة سعيد آل منصور أنه لم يحاول إخراج القصيدة النبطية من طبيعتها الشعبية ليمنحها مظهرًا أدبيًا متكلفًا، فقد أبقى على مفردات مثل (حنا) و(نارد) و(روسنا) و(تامر) بما تحمله من أصالة محلية ثم أفسح المجال لمفردات (المنايا) و(الهيجا) و(الثريا) و(نبراس) لتربط لغته بالموروث العربي، ومن هذا التفاعل بين المستويين تشكلت شخصية النص الذي يتحدث بلسان الناس دون أن ينقطع عن ذاكرة الشعر ويستحضر المعاني الكبيرة دون أن يفقد عفوية العبارة التي انطلق منها.

إن قصيدة (إبشر بنا) تقدم تجربة شعرية تستمد قوتها من وحدة الشعور قبل غرابة الصورة ومن تماسك الصوت الجمعي قبل تعدد المعاني، وقد عرف الشاعر كيف يجعل من العبارة الشعبية مفتاحًا يفتح به أبواب القصيدة ثم يعود إليه في كل بيت بصورة جديدة حتى ينتهي إلى عهد يتصل فيه أول الكلام بآخره، ولذلك فإن القيمة الأسلوبية لهذا النص لا تتجلى في بيت منفرد يمكن عزله عن بقية الأبيات وإنما في العلاقة التي تجمع التكرار بالضمير والصورة بالإيقاع والوعد بالخاتمة، وهي علاقة منحت القصيدة شخصيتها وجعلت الحماسة تتحول من انفعال عابر إلى بناء شعري واضح الملامح.

وأرى أن أعمق ما يمكن أن تنتهي إليه هذه القراءة أن سعيد آل منصور لم يجعل (إبشر بنا) عبارة تتصدر قصيدته فحسب وإنما جعلها روحًا تتحرك بين أبياتها وتمنح كلماتها معناها، فكل صورة من صور الثبات تعود إلى ذلك الوعد وكل فعل من أفعال الجماعة يؤكد حضوره وكل نداء للقيادة يوسع دلالته حتى تستقر القصيدة في نهايتها عند العهد الذي بدأت ببشارته، وبهذا يصبح الشعر صوتًا لذاكرة تعرف الوفاء وتحتفظ بمعاني الفروسية وتجد في الانتماء الوطني امتدادًا لقيم توارثتها الأجيال، وتبقى الكلمة التي خرجت من اللسان الشعبي ببساطتها الأولى قادرة على حمل شعور كبير لا يحتاج إلى المبالغة في شرحه لأن صداه يسكن النفوس قبل أن يسكن القوافي.