الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ اكتوبر-٢٠٢٦       2805

بقلم : د. علي بن عالي السعدوني.

ليست القيادة التربوية منصبًا يتولاه الإنسان ثم يمضي في ممارسة صلاحياته الإدارية، وإنما هي قدرة على صناعة الثقة في نفوس العاملين وتحويل الجهود المتفرقة إلى منظومة واحدة تتكامل فيها المسؤوليات وتتوزع فيها الأدوار ويشعر كل فرد بأنه شريك حقيقي في النجاح، وهذه الفلسفة القيادية تستحق التأمل في تجربة الأستاذ عبدالله بن سعد الغنام المدير العام للتعليم بمنطقة مكة المكرمة الذي استطاع خلال مسيرته الإدارية أن يقدم نموذجًا للقيادة التي تمنح الإنسان قيمته وتضع الكفاءة في موقعها الصحيح وتجعل الإنجاز مسؤولية جماعية لا يُختزل فضلها في شخص واحد مهما علا منصبه واتسعت صلاحياته.

لقد أدرك الأستاذ عبدالله منذ توليه قيادة مكتب تعليم جنوب الرياض أن المؤسسات التعليمية لا تتقدم بكثرة التعليمات ولا بطول الاجتماعات، وإنما تتقدم بوجود قائد يعرف كيف يستثمر قدرات فريقه ويمنح العاملين معه الثقة والمساحة الكافية للإبداع ويقف إلى جانبهم أمام الصعوبات التي تعترض أداءهم، ولذلك ارتبطت تجربته في المكتب بجهود معالجة تحديات المباني المدرسية المستأجرة وتحسين البنية التحتية وتطوير بيئة العمل، وهي تجربة تكشف أن اهتمامه لم يكن محصورًا في إدارة العمل اليومي وإنما امتد إلى معالجة المشكلات التي تؤثر في جودة التعليم واستقرار البيئة المدرسية.

ومن يتأمل انتقال الأستاذ عبدالله من قيادة مكتب تعليم جنوب الرياض إلى موقع مساعد المدير العام للتعليم بمنطقة الرياض ثم توليه قيادة التعليم بمنطقة مكة المكرمة يجد أن هذه المحطات لم تكن مجرد انتقالات وظيفية وإنما كانت تجارب تراكمت فيها الخبرة واتسعت معها المسؤولية وتأكدت قناعته بأن نجاح القائد يُقاس بما يستطيع فريقه تحقيقه من نتائج، وأن الإدارة الناجحة لا تقوم على احتكار القرار أو استعراض السلطة وإنما على وضوح الأهداف وحسن توزيع المسؤوليات والمتابعة التي تدعم العاملين وتساعدهم على تجاوز العوائق دون أن تنتزع منهم روح المبادرة.

ولعل أكثر ما يستحق التقدير في شخصية الأستاذ عبدالله القيادية تلك العلاقة الإنسانية التي حافظ عليها مع زملائه وفريق العمل، فالقائد الذي يستمر في التواصل مع من عملوا معه ويحرص على مساندتهم وتيسير مهامهم يدرك أن العلاقات المهنية لا تنتهي بانتهاء التكليف الإداري، وأن الإنسان الذي يجد التقدير والاحترام من قائده يصبح أكثر قدرة على العطاء وأكثر استعدادًا لتحمل المسؤولية، وهذه قيمة إدارية عميقة لا تصنعها اللوائح وحدها ولا تستطيع القرارات الرسمية فرضها على النفوس.

وفي مكة المكرمة اتسعت هذه الفلسفة لتأخذ صورة العمل المؤسسي الذي يجمع الإدارات والأقسام في مسار مشترك، ومن شواهد ذلك إطلاق نظام الدعم الموحد لتسهيل الخدمات ورفع جودتها وملتقى تبادل الخبرات الذي يستهدف تحسين الأداء وتبادل الممارسات بين القيادات التعليمية، وهي خطوات تعكس أهمية الانتقال من الجهود المنفردة إلى التكامل الإداري الذي يجعل كل إدارة مدركة لدورها في تحقيق الأهداف العامة للمنظومة التعليمية.

ولم يغب الإنسان المبدع عن اهتمام الأستاذ عبدالله، فقد ظهر تقديره للكفاءات من خلال الاحتفاء بالمعلمين والطلاب المتميزين ودعم أصحاب المبادرات النوعية وتشجيع الابتكار التربوي، ومن ذلك إشادته بإنجاز المعلمة زكية سهل اللحياني بعد حصولها على براءة اختراع جهاز (قائد المستقبل التفاعلي)، وهو موقف يحمل رسالة مهمة إلى الميدان التعليمي مفادها أن الأفكار الجديدة تستحق الدعم وأن المعلم قادر على تجاوز حدود الممارسة التقليدية إلى صناعة أدوات تعليمية تسهم في بناء أجيال المستقبل.

وامتدت جهود تعليم مكة إلى تعزيز الشراكات المجتمعية ودعم المبادرات التعليمية والتطوعية، ومن شواهد ذلك مبادرة (زاد العلم) التي تستهدف مساندة عشرة آلاف طالب وطالبة، ومشاركة آلاف المتطوعين والمتطوعات من منسوبي التعليم في خدمة ضيوف الرحمن خلال موسم حج عام 1447هـ، وهي أعمال تؤكد اتساع رسالة المؤسسة التعليمية لتشمل خدمة المجتمع وتعزيز المسؤولية الوطنية وإعداد الإنسان للمشاركة في بناء وطنه.

إن ما يميز فلسفة المنظومة الواحدة التي تتجلى في تجربة عبدالله الغنام أنها تعيد الاعتبار إلى قيمة الفريق، فلا يصبح المدير وحده عنوان النجاح ولا يتراجع دور المعلم والمشرف والإداري خلف الواجهة الرسمية للمؤسسة، وإنما تتقدم الكفاءات جميعها في صورة متكاملة يدرك أفرادها أن نجاح أحدهم إضافة إلى نجاح الآخرين، وأن القيادة الحقيقية تمنح العاملين معها فرصًا للنمو والتطور وتساعدهم على اكتشاف ما يمتلكونه من قدرات قد لا تظهر في بيئة إدارية تقوم على الأوامر والخوف من الخطأ.

وقد جاءت ترقيته إلى المرتبة الخامسة عشرة في يونيو 2026 محطة مهمة في مسيرته المهنية غير أن القيمة الأعمق في تجربة أي قائد تربوي تبقى فيما يتركه من أثر داخل مؤسسته وفي نفوس من عملوا معه، لأن المناصب تتغير وتتعاقب القيادات وتبقى الثقافة الإدارية التي تصنع الثقة وتنمي الكفاءات وتؤسس للعمل الجماعي واحدة من أثمن المكاسب التي يمكن أن يتركها المسؤول بعد انتهاء مهمته.

إن الأستاذ عبدالله بن سعد الغنام يقدم تجربة قيادية تستحق التقدير والدراسة؛ لأنها تؤكد أن تطوير التعليم يبدأ من تطوير طريقة التفكير في القيادة نفسها، وأن بناء المؤسسة القوية يحتاج إلى قائد يؤمن بقدرات زملائه ويمنحهم الفرصة ويشاركهم المسؤولية ويحفظ لهم حقهم في النجاح، فالقائد الناجح لا يُعرف بعدد الذين يعملون تحت إدارته وإنما بعدد الذين استطاع أن يجعلهم أكثر كفاءة وثقة وقدرة على صناعة الإنجاز.

وما أحوج الميدان التعليمي إلى قيادات تؤمن بأن قيمة المنصب فيما يقدمه للوطن، وأن أعظم نجاح يحققه القائد أن تصبح المؤسسة قادرة على مواصلة التميز بقوة فريقها وثقافة عملها، وأن يترك خلفه رجالًا ونساءً تعلموا منه كيف يقودون ويبدعون ويتحملون المسؤولية، وتلك هي القيادة التي تستحق الثناء وتبقى سيرتها حاضرة في ذاكرة العمل التربوي.