الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ اكتوبر-٢٠٢٦       13420

بقلم- طارق محمود نواب

ثمة سؤال يمرّ أحيانًا على الكاتب كضيفٍ ثقيل وهو هل يهرم القلم كما يهرم صاحبه؟ وهل تفقد الكلمات شيئًا من فتنتها حين يطول بها المقام بين الأصابع أم أن الكتابة من الأشياء القليلة التي تنضج كلما عبر بها العمر؟
فالقلم لا يحمل شهادة ميلاد ولا تظهر التجاعيد على حبره لكنه قد يصاب بما هو أشد من الشيخوخة حين يألف نفسه ويطمئن إلى قاموسه ويكرر طرقه القديمة حتى يصبح النص نسخةً مهذبة من نص سبقه.
ولذلك فإن الهرم الحقيقي في الكتابة ليس أن تتقدم السنين بالكاتب وإنما أن تتوقف الدهشة داخله وأن ينظر إلى الأشياء بالعين نفسها وأن تصبح عباراته أثاثًا قديمًا يعرف موضع كل قطعة فيه فلا يفاجئه شيء ولا يغامر بتغيير شيء.
وقد يكون الكاتب شابًا بينما يكون قلمه قد بلغ أرذل العمر لأنه يكتب بما كتبه الآخرون ويرتدي مفرداتهم ويستعير دهشتهم في حين قد يبلغ كاتب آخر الثمانين وتظل جملته تركض أمامه كطفل اكتشف الشارع للمرة الأولى.
ولهذا لا يُقاس عمر القلم بعدد السنوات بل بعدد المرات التي استطاع فيها صاحبه أن يهدم عاداته وأن يغادر المنطقة التي صفّق له الناس فيها طويلًا ثم يذهب إلى موضوع لا يعرفه ويقرأ في علم لم يألفه ويجلس إلى أجيال تختلف عنه كما يصغي إلى لغة الحياة وهي تتبدل من حوله.
فالكاتب الذي لا يغادر مكتبته يوشك أن تتحول مكتبته إلى سور كما أن الكاتب الذي لا يقرأ إلا من يشبهه سيكتب يومًا نصوصًا تشبه بعضها حتى يختلط عليه الجديد بالقديم.
ومن جهة أخرى فإن أخطر ما يصيب القلم ليس جفاف الحبر وإنما فائض اليقين لأن الكتابة الحقيقية تبدأ غالبًا من سؤال لا من إجابة ومن فضول لا من استعراض معرفة ولذلك فإن من يظن أنه فهم الحياة كاملةً لم يعد أمامه الكثير ليكتبه.
ولعل شباب القلم يكمن في قدرته على الارتياب الجميل وعلى إعادة اكتشاف العادي إذ قد يصبح فنجان القهوة حكاية وقد يقود الرصيف إلى تاريخ مدينة كما قد يفتح مقعد في مطار بابًا لفهم البشر إذا بقيت عين الكاتب قادرةً على رؤية ما يعبر أمام الآخرين من دون أن يلتفتوا إليه.
أما التجربة فلا تُشيخ القلم بل تمنحه طبقاتٍ لا يملكها في بداياته إذ تصبح للكلمة ذاكرة وللصمت معنى وللحذف حكمة وعندها يعرف الكاتب أن الجملة الأقوى ليست دائمًا الأطول وأن البلاغة قد تسكن أحيانًا في كلمةٍ وصلت إلى مكانها الصحيح.
والسؤال الان هل هرم القلم؟
فربما يهرم حين يعتقد صاحبه أنه وصل وحين يتوقف عن السؤال والمغامرة والتعلم أما ما دام يندهش ويشك ويقرأ ويغيّر جلده ويطلّ على الحياة من نوافذ جديدة فإنه لا يشيخ.
فالقلم لا يهرم من كثرة ما كتب وإنما يهرم حين لا يعود لديه شيء جديد يراه.