الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ اكتوبر-٢٠٢٦       4785

بقلم- د. غالب محمد طه
قبل أيام، أصر ابني أبو بكر على أن أرافقه إلى تدريب في أكاديمية السارية للمواهب بحفر الباطن. كان متحمسًا لمتابعة تدريبات حراس المرمى، وهو المركز الذي يشد اهتمامه منذ فترة، فوافقت وذهبنا معًا.
عند مدخل الملعب لفتت انتباهي لوحة كُتب عليها: «برنامج اكتشاف المواهب في الشرقية - حفر الباطن». لا أعرف لماذا توقفت عند كلمة «اكتشاف» تحديدًا، لكنها بقيت حاضرة في ذهني طوال فترة التدريب.
بينما كان أبو بكر يتابع التمارين وحركة الحراس باهتمام، أخذتني المشاهدة إلى صور من طفولتنا، وهي صور ما زالت تتكرر في كثير من البلدان العربية والأفريقية. غالبًا ما تبدأ علاقة الطفل بكرة القدم في مكان بسيط؛ شارع، أو ساحة ترابية، أو ملعب صغير في الحي. أطفال يجتمعون للعب، ويتعلمون اللعبة بطريقتهم.
ومع الوقت، قد يحتاج الطفل الذي يستمر شغفه باللعبة إلى تدريب أكثر تنظيمًا، ومدرب يتابعه ويصحح أخطاءه، ومكان يجد فيه فرصة للتعلم والاستمرار.
هذا ما كنت أراه أمامي في أكاديمية السارية. أطفال يتدربون ضمن مجموعات، ومدربون يتابعونهم ويوجهونهم، وتمارين تتكرر أكثر من مرة. تفاصيل قد تبدو عادية لمن يشاهدها من الخارج، لكنها بالنسبة للطفل الذي يريد أن يتعلم كرة القدم هي جزء مهم من رحلته.
وكان اهتمام أبو بكر منصبًا على حراسة المرمى. ولهذا المركز جاذبية مختلفة لدى بعض الأطفال. الحارس قد ينتظر طويلًا، ثم يجد نفسه فجأة أمام لحظة تحتاج إلى تركيز وسرعة قرار. قد ينجح وقد يخطئ، لكن عليه أن يكمل.
والأكاديمية ليست وحدها في هذه الرحلة. هناك المدرسة أيضًا. ففي المدارس السعودية مساحة للنشاط الرياضي والمنافسات المدرسية، ومن بينها دوري المدارس لكرة القدم، إلى جانب برامج تهتم باكتشاف المواهب وتطويرها. وهنا يمكن للطفل أن يكتشف حبه للعبة في المدرسة، ثم يجد في الأكاديمية فرصة لتدريب أكثر تخصصًا.
ويأتي دور القطاع الخاص ليكمل جانبًا آخر من هذه المنظومة. فالرعاية الرياضية، عندما تتجه إلى الأطفال والناشئين، يمكن أن تساعد الأكاديميات والبرامج على الاستمرار وتوفير فرص أفضل للتدريب. وقيمة الرعاية في رأيي لا تكون في اسم يظهر على لوحة، بل فيما يصل منها إلى الطفل نفسه.
كأب، لا أفكر كثيرًا في أن يتحول كل شغف إلى مهنة. يكفيني أن يلاحظ الأب ما يحبه ابنه، وأن يمنحه فرصة ليجرب ويتعلم.
أبو بكر قد يستمر في حراسة المرمى، وقد تتغير اهتماماته لاحقًا. لا أعرف. لكنني أعرف أنه وجد شيئًا يستمتع به، ووجد مكانًا يستطيع فيه أن يتعلم أكثر.
وبينما كان يتابع التدريب، تذكرت الحدث الأكبر الذي تستعد له السعودية بقوة وصمت: كأس العالم 2034. بدا لي أن المسافة بين هذا الملعب الصغير وذلك الحدث الكبير ليست بعيدة كما تبدو. هناك طفل يتعلم اليوم، ومدرسة تتيح له الممارسة، وأكاديمية تتابعه، وأسرة ترافقه، وقطاع خاص يمكن أن يساهم في استمرار هذه الفرص.
عندها لم أعد أرى كأس العالم 2034 في الملاعب الكبيرة وحدها. رأيتها أيضًا في هذه التفاصيل الصغيرة التي تتشكل بعيدًا عن الأضواء، وفي جيل ينمو الآن وسيعيش تلك المرحلة عندما يحين موعدها.
في نهاية التدريب، كان أبو بكر يتحدث بحماس عن أشياء يريد أن يتعلمها في المرة المقبلة. أما أنا فغادرت الملعب وما زالت كلمة «اكتشاف» عالقة في ذهني.
لا أعرف إلى أين سيصل هذا الشغف.
كل ما أعرفه أن طفلًا خرج من ملعب صغير في حفر الباطن وهو يريد أن يعود إليه مرة أخرى.
وربما هذا، في هذه المرحلة، يكفي.
.