الكاتب :
التاريخ: ٣٠ سبتمبر-٢٠٢٦       4675


بقلم- د. غالية بنت عيسى الزبيدي 

تتجلّى دقّة التعبير القرآني في أن الكلمة لا تؤدي معناها المعجمي فحسب، وإنما تنتظم داخل سياقها لتصنع صورة، وتؤدي وظيفة، وتمنح المشهد حركته وإيقاعه ودلالته. ومن الألفاظ التي تستوقف المتأمل في مشاهد البعث لفظ «الأجداث»، الذي ورد في القرآن الكريم في سياقات تصوّر خروج الموتى من القبور وانطلاقهم إلى موقف الحساب.
قال تعالى:
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ يس: 51
وقال سبحانه:
﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾المعارج:43
وقال عز وجل:
﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾القمر: 7
والأجداث جمع جَدَث، وهو القبر، وهذا المعنى ثابت في اللغة والتفسير؛ فقد نصّ ابن منظور على أن الجدث هو القبر، وجمعه أجداث، وفسّر الطبري الأجداث في آية يس بأنها القبور.
غير أن السؤال البلاغي يظل قائمًا: لماذا اختار القرآن في هذه المواضع لفظ "الأجداث" ، ولم يقل "القبور" ؟
لا يعني ذلك أن "الأجداث" تحمل في أصل الوضع معنى مغايرًا للقبور؛ فالمعنى المعجمي واحد، غير أن السياق القرآني هو الذي يمنح اللفظ طاقته التصويرية؛ فالقبور في الاستعمال العام تحيل إلى موضع الدفن والسكون، بينما جاءت "الأجداث" في القرآن داخل مشهد حركي متتابع: نفخة، ثم خروج، ثم إسراع، ثم اجتماع وحضور.
وفي سورة يس تبلغ هذه الحركة ذروتها في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾.
إن حرف الجر "مِن" يرسم نقطة الانطلاق، وحرف الجر "إلى" يحدد الغاية، أما الفعل "ينسلون" فيملأ المسافة بينهما بالحركة؛ فالمشهد لا يقف عند حدود فتح القبور وخروج أصحابها، وإنما ينتقل مباشرة إلى صورة الخلق وهم يتحركون مسرعين نحو موقفهم.
وهنا تكمن دقة لفظ "ينسلون" .
فالنسلان في العربية هو الإسراع في المشي، وقد ذكر الطبري أن معنى قوله تعالى ﴿إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾: يخرجون سراعًا، وأن النسلان هو الإسراع في المشي، كما جاء في المعاجم أن "نَسَلَ" و"يَنسِلُ" يستعملان في معنى الإسراع، وأن "النسلان" مشية سريعة.
ومن هنا ينبغي التنبيه إلى دقة لغوية مهمة: "يَنْسِلُون" في الآية ليست بمعنى "يخرج نسلهم وذرياتهم" ، وإن كان لفظ "النَّسْل" في العربية يدل على الولد ووالذرية، فاشتراك اللفظين في الجذر لا يجعل أحدهما تفسيرًا للآخر؛ لأن السياق والوزن والاستعمال يحددون المعنى المراد. 
وقد نقل البغوي أيضًا في تفسير الآية معنى الخروج من القبور أحياء، وربط بعض أهل اللغة بين الخروج والنسل في الاستعمال العربي، دون أن يجعل "ينسلون" في الآية بمعنى الذرية.
ومع ذلك، فإن هذا الاشتراك الاشتقاقي يفتح بابًا تأمليًا لا بابًا تفسيريًا؛ إذ إن مادة "ن س ل" تتصل في العربية بمعاني الولد والذرية والتكاثر، كما تتصل بفعل الانفصال والخروج والإسراع؛ فالنسل يخرج من أصل، والماشي ينسل من موضع إلى موضع. وفي المشهد القرآني يخرج الإنسان من جدثه، منفصلًا عن سكون القبر، مندفعًا إلى غاية محددة.
وهنا تتولد صورة شديدة العمق: الإنسان الذي كان ساكنًا في جدثه يصبح كائنًا متحركًا في مشهد كوني جامع.
وليس بعيدًا عن هذا التصوير قوله تعالى في سورة الأنبياء:
﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾الأنبياء: 96
فالفعل نفسه "ينسلون" يتكرر في صورة أخرى، ومعناه كذلك الخروج مع الإسراع. 
وقد فسّر الطبري "ينسلون" بأنهم يمشون مسرعين، وذكر أن النسلان هو الإسراع في المشي.
أما سورة القمر فتقدم زاوية أخرى للمشهد:﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾.
هنا تتحول الأجداث إلى نقطة انطلاق لجماعات بشرية هائلة، ويأتي التشبيه بالجراد المنتشر ليجسد الكثرة والانتشار والحركة الجماعية، وقد فسّر الطبري "الأجداث" بالقبور، وأشار إلى أن تخصيص الأبصار بالخشوع يكشف أثر الذلة والخوف في الهيئة كلها.
وفي سورة المعارج يتأكد معنى السرعة بلفظ صريح هو"سراعا" في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾.
فإذا كان" ينسلون" قد حمل في سورة يس معنى الإسراع في الحركة، فإن سورة المعارج تصرح بـ"سراعًا"، ثم تعمّق الصورة بالفعل "يوفضون" ، أي يسرعون في التوجه.
وهكذا تتآزر الألفاظ: الأجداث، ينسلون، سراعًا، يوفضون، منتشر؛ لتكوين مشهد لا يعرف السكون، يبدأ من موضع كان عنوانًا للموت والصمت، ثم يتحول فجأة إلى حركة كونية هائلة.
ولعل أجمل ما في التعبير القرآني في سورة يس أن الخروج لا يُذكر مجردًا، وإنما يقول: ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾.
فالمسافة الدلالية ليست بين القبر والحياة فحسب، وإنما بين الجدث والموقف، بين موضع السكون وموضع الحضور، بين الغياب والشهود. 
ولهذا تأتي الآيات التالية مباشرة:
﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ يس: 52–53.
وهنا تكتمل الدائرة: جدث، ثم بعث، ثم حركة، ثم حضور.
إن القرآن لا يقدم القبر في هذه الآيات بوصفه نهاية، وإنما بوصفه عتبة لمشهد آخر، ولا يقدم خروج الموتى باعتباره حركة أجساد فحسب، وإنما يصوره حركةً جماعيةً سريعةً نحو المصير المحتوم.
أما فكرة النسل بمعنى الأبناء والأحفاد وأحفاد الأحفاد، فهي معنى عربي أصيل في مادة "نَسَلَ" ، إذ يقال: النسل، أي الولد والذرية، وتناسل القوم إذا ولد بعضهم من بعض وكثر أولادهم،  لكن هذا المعنى لا ينبغي إسقاطه على لفظ "يَنسِلُون"في آية يس؛ لأن المراد التفسيري المباشر هو الخروج والإسراع، ومع ذلك، فإن التشابه الاشتقاقي بين الخروج من الأصل وبين النسل الخارج من الأصل يظل مجالًا تأمليًا لطيفًا في جمال العربية، ما دام لا يُقدَّم على أنه المعنى التفسيري للآية.
هكذا تكشف المفردة القرآنية عن مستويين من الجمال: دقة المعنى الذي يثبته السياق، واتساع الإيحاء الذي تسمح به العربية.
فـ"الأجداث"هي القبور من جهة المعنى المعجمي، لكنها في البناء القرآني تصبح مواضع الانطلاق. و"ينسلون" تعني يخرجون مسرعين، لكنها تُحضر في الذاكرة اللغوية معنى الخروج والانفصال الذي يجاور معنى النسل والذرية دون أن يتطابق معه، وبين اللفظين تتشكل صورة الإنسان وهو يغادر سكون الجدث إلى حركة الحشر، منفصلًا عن عالم الموت، متجهًا إلى عالم الحساب.
إنها بلاغة لا تكتفي بأن تخبرنا من أين يخرج الإنسان، وإنما تجعلنا نرى كيف يخرج، وإلى أين يتجه، وبأي سرعة، وفي أي مشهد كوني جامع.
وهنا تتجلى إحدى خصائص البيان القرآني: أن الكلمة الصغيرة قد تحمل في موضعها بناءً من الحركة والدلالة والإيحاء، وأن اللفظ لا يعيش منفردًا، وإنما يكتسب تمام جماله من موقعه في الجملة، ومن علاقته بما قبله وما بعده، ومن المشهد الذي يرسمه في الوعي.
فمن الأجداث يبدأ الخروج، وبـالنسلان تتشكل الحركة، وإلى الله تتجه الغاية، ثم يكون الجميع مُحضرين.
من سكون الجدث إلى حركة الحشر؛ تلك هي الرحلة التي تختصرها آية واحدة في كلمات قليلة، بينما يظل صداها ممتدًا في الوجدان إلى ما وراء حدود اللغة.