الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ سبتمبر-٢٠٢٦       5445

بقلم / موضي عوده العمراني 
ليست الكتابة فعلًا عابرًا، ولا ترفًا يُمارسه من شاء، بل هي قدرٌ يهبط على أرواحٍ اصطفاها الشعور قبل أن يصطفيها القلم. فمنذ أن عرف الإنسان الحرف، لم يكن يكتب ليملأ الصفحات، وإنما ليخفف عن قلبه ثقل الحياة، ويترك أثرًا يبقى حين يغيب صوته. لذلك ظلَّ الكاتب شاهدًا على عصره، وترجمانًا لآلام البشر وأحلامهم، يحمل في صدره ما تعجز عنه الكلمات، حتى إذا ضاقت به نفسه، أودعه في سطورٍ تنبض بالحياة. فالكتابة ليست حبرًا يُراق على الورق، بل روحٌ تتجسد في الحروف، وقلبٌ يتكلم بلغةٍ لا يجيدها إلا من عرف معنى الإحساس

ليس الكاتبُ ذلك الذي يُجيد نظم الحروف، أو يُحسن سبك العبارات. فالحروف يستطيع أن يكتبها كلُّ من تعلَّم الأبجدية.
أمّا الكتابة، فلا ينهض بها إلا من أثقلته الحياة، وأرهقته التجارب، ومرَّ على قلبه ما يكفي ليصير وطنًا للألم والدهشة معًا.
الكاتب ليس عقلًا ينسِّق الكلمات، بل قلبٌ يفيض.
وحين يضيق بما يحمل، ينسكب على الورق دون استئذان.
إنّه كومةٌ من المشاعر؛ تراكمت فيها الخيبات كما تراكمت الأمنيات، واجتمعت فيها الضحكات التي لم تكتمل، والدموع التي لم تجد كتفًا تستقر عليه.
ولهذا، حين يكتب، لا يختار كلماته بقدر ما تختاره هي.
فتخرج من بين أنامله كما يخرج الماء من عينٍ تفجّرت بعد طول احتباس.
والكاتب الحقيقي لا يقتات على الخيال وحده، بل يتغذّى على الحياة بكل ما فيها.
على الوجع حين ينهش القلب، وعلى الفرح حين يمرّ عابرًا كنسمة ربيع، وعلى الخذلان حين يخلّف في الروح ندبةً لا يراها أحد.
إنه يحمل في داخله ذاكرةً لا تنسى.
وكلُّ موقفٍ يمرّ به يترك أثرًا، يتحوّل مع الزمن إلى نصٍّ يلامس القلوب.
وربما لهذا السبب كان الكاتب أكثر الناس حساسية.
فهو يسمع في الصمت ضجيجًا، ويرى في النظرات حكايات، ويقرأ في الوجوه ما تعجز الألسنة عن البوح به.
يبكي لما يراه الناس عاديًّا، ويفرح بما يعدّه الآخرون تفصيلًا عابرًا.
لأن قلبه لا يعرف البلادة، وروحه لا تألف القسوة.
والكتابة ليست ترفًا يمارسه الكاتب حين يشاء، بل ضرورة تشبه حاجة الرئتين إلى الهواء.
فإذا تراكمت المشاعر ولم تجد منفذًا، ضاقت بها النفس.
ثم تأتي الورقة البيضاء… فتغدو وطنًا للأسرار، وملجأً للحنين، ومحرابًا يعترف فيه القلب بكل ما أخفاه عن العالم.
ليس كلُّ من أمسك قلمًا كاتبًا.
فالكاتب الحقّ هو من يجعل القارئ يرى بعينيه، ويسمع بأذنيه، ويشعر بقلبه.
هو من يحوّل الألم إلى حكمة، والانكسار إلى قوّة، والدمعة إلى قصيدة، والصمت إلى لغةٍ يتقنها كلُّ من ذاق مرارة الحياة.
ولعلَّ أعظم ما يميّزه أن نصوصه لا تموت بانتهاء قراءتها.
بل تبقى عالقةً في الذاكرة؛ تُوقظ سؤالًا، أو تُداوي جرحًا، أو تُعيد إلى القلب شعورًا ظنَّ صاحبه أنه فقده إلى الأبد.
فالكاتب لا يكتب طلبًا للمدح أو التصفيق، بل لأنه إن لم يفعل اختنق بما يحمله.
الكتابة بالنسبة إليه ليست مهنة ولا هواية، بل قدرٌ يسكنه ورسالةٌ اختارته قبل أن يختارها.
يكتب ليبقى حيًّا.
لا ليُقال عنه كاتب، بل ليُقال عن الألم: لقد صار مفهومًا، وعن الحلم: لقد وُلد من جديد.
وما القلم إلا لسان الروح، وما الورق إلا صدرٌ يتّسع لما تعجز الصدور عن احتماله.
فإذا قرأت نصًا صادقًا، فأنت لا تقرأ كلماتٍ فحسب، بل تقرأ قلبًا اختصر عمره في سطور، وإنسانًا نثر شيئًا من روحه بين الحروف.

لعلّ قارئًا في مكانٍ ما يجد نفسه فيها.

فالكاتب الحقيقي لا يكتب ليُخلَّد اسمه، بل ليمنح الحياة فرصةً أخرى لتفهم نفسها.