الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ سبتمبر-٢٠٢٦       6820

بقلم: د. ناصر بن علي الجهوري

منذ أن كانت المحامل الخليجية تشق عباب البحر، وهي تحمل بين موانئ الخليج البضائع والحكايات والأخبار، ظلّت الرحلة عنواناً للتواصل، وظل البحر جسراً يصل بين الإنسان والمكان. واليوم، ترسو في محافظة ظفار بسلطنة عُمان محامل من نوع آخر؛ محامل تحمل المسرح والثقافة والفكر والإبداع، وتأتي محمّلة بطاقة الشباب الخليجي وأحلامه ورؤاه.
ففي مدينة صلالة العُمانية، تستضيف جامعة التقنية والعلوم التطبيقية، بإشراف الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، المهرجان المسرحي السابع لجامعات ومؤسسات التعليم العالي بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، خلال الفترة من 23 إلى 29 سبتمبر 2026م، تحت شعار: "يوحدنا الإرث ويجمعنا المسرح".
وليس اختيار ظفار مرفأً لهذه المحامل المسرحية اختياراً عابراً؛ فالمكان هنا يحمل إرثاً حضارياً وثقافياً غنياً، ويمنح المسرح فضاءً يلتقي فيه الإبداع مع الهوية، والفن مع السياحة، والشباب مع المستقبل. وفي صلالة، حيث تتناغم الطبيعة مع الثقافة، يجد المسرح مساحة رحبة للقاء والتفاعل وتبادل التجارب، وفتح جسوراً جديدة بين المسرح والمكان.
وإذا كان المسرح جوهر المهرجان، فإن الشباب هو روحه المتجددة؛ إذ تلتقي الفرق المسرحية الطلابية الخليجية على الخشبة، وتتبادل التجارب والرؤى، ويتحول التنافس الفني إلى مساحة للتعارف والحوار وبناء العلاقات. وهنا تتجاوز قيمة المهرجان حدود العرض المسرحي، لتصنع تجربة إنسانية وثقافية مشتركة.
ويستحضر المهرجان قيماً رئيسة تتمثل في الوعي، والهوية، والإبداع، والتأثير؛ وهي معانٍ تجعل المسرح أكثر من فن يشاهد؛ فهو أداة لبناء الوعي، وتحفيز الإبداع، وتعزيز الهوية، وترك أثر يتجاوز لحظة العرض. ومن هنا تأتي رسائل المسرح لتمنح هذه المعاني أصواتاً وتجارب ثقافية، تتحول معها الرسالة المسرحية من نص يقال إلى أثر يحمل ويتواصل صداه خارج الخشبة.
وفي مشهد يستحضر الوفاء للذين أسهموا في صناعة الذاكرة الفنية الخليجية، يقدم المهرجان عملاً فنياً بعنوان بصمة وفاء، يستذكر فيه فنانين رحلوا وتركوا أثراً باقياً في وجدان الأجيال: حياة الفهد من دولة الكويت، وصالح شويرد من سلطنة عُمان، وعبد العزيز جاسم من دولة قطر، وحمد المزيني من المملكة العربية السعودية، ورزيقة طارش من دولة الإمارات العربية المتحدة، وعلي الغرير من مملكة البحرين. إنها تحية وفاء تؤكد أن غياب الفنان لا يعني غياب أثره؛ فالفن يحتفظ بأصحابه في ذاكرة الناس، ويعيد تقديم إبداعهم للأجيال.
ولا يكتفي المهرجان بالعروض المسرحية، بل يفتح نوافذ للحوار وتبادل الفكر والخبرة؛ من بينها جلسة حوارية ثقافية فكرية تجمع المكرم الدكتور عبد الكريم جواد، والمكرم محمد المرجبي، والفنان القدير سعد الفرج، والفنان القدير غانم السليطي، في لقاء يستحضر التجربة، ويقرأ مسارات المسرح الخليجي، ويصل بين ذاكرة الرواد وأسئلة الحاضر.
وفي المقابل، يفتح المهرجان نافذة خاصة لصوت الطلبة من خلال "سبلة المسرح"؛ مساحة طلابية للحوار والفكرة وصناعة المستقبل، يلتقي فيها الطلبة المشاركون لمناقشة المسرح وتطويره من وجهة نظرهم. وبذلك يكون الطالب شريكاً في الحوار حول حاضر المسرح الجامعي ومستقبله.
ويمتد حضور المهرجان من فضاءات المسرح إلى الفضاء الرقمي من خلال المساعد الذكي "إرث"، الذي يتيح للباحثين والمهتمين الوصول إلى معلومات المهرجان ومحتواه والتفاعل معها بصورة ذكية. ويجسّد "إرث" أحد أوجه التلاقي بين الذاكرة والتقنية؛ فكما يحمل المسرح إرثه من جيل إلى جيل، تأتي التقنية لتمنح هذا الإرث وسيلة جديدة للحضور والوصول والتفاعل، وتقربه من جيل الشباب بلغة العصر، ليبقى الإرث حياً ومتجدداً.
وهكذا تصبح صلالة خلال أيام المهرجان مرفأً خليجياً للإبداع؛ تلتقي فيه الخبرات والطاقات الشابة، وتتجاور التجارب، وتتلاقى الأجيال، ويُستعاد الإرث بلغة الفن، ويُفتح للمستقبل باب جديد. كما يضيف حضور المهرجان بعداً ثقافياً إلى تجربة المكان، لتلتقي خشبة المسرح بفضاءات ظفار، ويتحول الفن إلى جزء من الحراك الثقافي الذي يثري المدينة وزوارها.
إن المحامل المسرحية التي ترسو في ظفار لا تحمل عروضاً مسرحية فحسب، وإنما تحمل ذاكرة الخليج، وطموح شبابه، ورسالة الفن في بناء الإنسان. وحين تجتمع تحت شعار "يوحدنا الإرث ويجمعنا المسرح"، فإنها تؤكد أن الإرث ليس ماضياً يُستعاد فقط، بل طاقة يمكن تحويلها إلى إبداع حي، وتواصل إنساني، وتأثير ممتد.
فمرحباً بالمحامل الخليجية في سلطنة عُمان؛ حيث يلتقي البحر بالمسرح، والإرث بالمستقبل، وحيث لا يكون إسدال الستار نهاية الرحلة، بل بدايةً لحكايات خليجية جديدة.