بقلم: علي المالكي
لم تعد الحروب في عصرنا تُخاض بالسلاح وحده فهناك حرب أخرى أكثر هدوءًا وأسرع انتشارًا سلاحها الكلمة والصورة والمقطع المجتزأ والخبر الكاذب وميدانها منصات التواصل الاجتماعي وجنودها في كثير من الأحيان حسابات مجهولة أو وهمية تتخفى خلف أسماء وصور لا تكشف حقيقة أصحابها.
والمتابع لما يُنشر عن المملكة العربية السعودية يلحظ حجمًا كبيرًا من الحسابات التي تكاد لا تملك هدفًا سوى الإساءة للسعودية فتترصد كل حدث وتقتطع التصريحات من سياقها وتعيد تدوير الأخبار القديمة وتنشر معلومات بلا مصادر ثم تتناقلها فيما بينها حتى يبدو للقارئ وكأن الكذبة أصبحت حقيقة لمجرد أن مئات الحسابات كررتها في وقت واحد.
وهنا تكمن الخطورة.
فالهدف ليس دائمًا إقناع المتلقي بالكذبة من المرة الأولى بل إغراق الفضاء الإلكتروني بها حتى يختلط الصحيح بالزائف وزرع الشك في كل خبر وإنجاز ومشروع وتشويه صورة الدولة ومؤسساتها ومجتمعها وإثارة الخلافات بين المواطنين ومحاولة ضرب الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
ومن الأساليب المتكررة كذلك انتحال صفة المواطن السعودي. يظهر حساب باسم سعودي وصورة سعودية ولهجة محلية ثم يبدأ بالتحدث وكأنه ينقل ما يجري من داخل المجتمع بينما لا يعرف المتلقي من يقف خلف الشاشة ولا أين يوجد ولا ما هدفه الحقيقي.
وهناك أيضًا أسلوب تضخيم القضايا الفردية. خطأ شخص واحد يتحول لديهم إلى صفة لمجتمع كامل وحادثة محدودة تُقدَّم وكأنها ظاهرة عامة ومشكلة عابرة يجري تصويرها على أنها أزمة وطنية. أما الأخبار الإيجابية والإنجازات والنجاحات فلا تجد عند الحساب نفسه المساحة ذاتها لأنه لم يُنشأ أصلًا لتقديم صورة متوازنة.
كما تعمل حملات التضليل على استغلال الأحداث الحساسة بسرعة. فعندما تقع حادثة أو يصدر قرار أو تنتشر قضية يبدأ سباق صناعة الرواية قبل ظهور المعلومات الكاملة. تُنشر صورة قديمة أو مقطع من دولة أخرى أو رقم بلا مصدر ثم تأتي مجموعة من الحسابات لتعيد نشره والتعليق عليه فيتشكل انطباع زائف بأن هناك إجماعًا واسعًا حول رواية قد لا يكون لها أساس من الصحة.
ولعل أخطر أهداف هذه الحسابات هو نقل المعركة من مهاجمة الدولة إلى محاولة تفكيك المجتمع من الداخل عبر إثارة المناطقية والقبلية والمذهبية والرياضية والاجتماعية وتحويل الاختلاف الطبيعي بين الناس إلى خصومة ثم دفع السعوديين إلى مهاجمة بعضهم بعضًا.
والحساب الوهمي لا يحتاج بالضرورة إلى أن يصدقه الجميع حتى ينجح. يكفيه أن يجعل الناس يتجادلون حول أكاذيبه وأن يدفع آلاف المستخدمين إلى إعادة نشر محتواه للرد عليه لأن إعادة النشر نفسها قد تمنحه انتشارًا لم يكن يحلم به.
لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالغضب وحده ولا بالدخول في كل معركة إلكترونية وإنما بالوعي. لا تجعل حسابًا مجهولًا يحدد لك ما تصدقه ولا تمنح خبرًا بلا مصدر قيمة لمجرد كثرة من أعادوا نشره ولا تساعد الكذبة على الانتشار تحت عنوان الرد عليها.
السعودية اليوم دولة ذات حضور سياسي واقتصادي وديني وإقليمي ودولي كبير ومن الطبيعي أن تكون أخبارها وقراراتها ومشروعاتها موضع اهتمام واسع ومن الطبيعي كذلك أن تتعرض للنقد فالنقد الموثق شيء وحملات التضليل المنظمة شيء آخر تمامًا.
ومن حق أي إنسان أن ينتقد ومن حق الآخرين أن يختلفوا معه ولكن صناعة حسابات مزيفة وانتحال الهويات وفبركة الأخبار واجتزاء الحقائق وتحويل الأكاذيب إلى حملات متكررة ليست نقدًا بل تضليلًا للرأي العام.
وفي النهاية فإن أقوى سلاح أمام الحسابات الوهمية ليس حسابًا وهميًا آخر وإنما المعلومة الصحيحة والمصدر الموثوق والمواطن الواعي.
فالأكاذيب قد تصنع ضجيجًا هائلًا في ساعات وقد تتصدر الوسوم وقد تملأ الشاشات لكنها تبقى أكاذيب.
السعودية أكبر من أن تهزها تغريدة مجهولة وأقوى من أن تشوهها جيوش الحسابات الوهمية وما بُني بالتاريخ والعمل والإنجاز لا تهدمه شاشة خلفها اسم مستعار.