الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ سبتمبر-٢٠٢٦       7755

بقلم: عبدالله الكناني

*لا يمكن قراءة مغامرات ميليشيا الحوثي الأخيرة بوصفها حوادث عسكرية منفصلة أو ردود فعل عابرة، فما يجري يكشف عن مشروع يقوم على استنزاف اليمن من الداخل، وتهجير سكانه ودفعهم إلى اللجوء في دول الجوار وسائر أنحاء العالم، وتهديد أمن الدول المجاورة، وتحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة تخدم صراعات إقليمية لا مصلحة للشعب اليمني فيها.*

لقد دفعت الميليشيا باليمنيين إلى حرب طويلة أضعفت الدولة، ومزقت النسيج الوطني، ووسعت دوائر الفقر والنزوح والجوع، ثم انتقلت بمغامرتها إلى مرحلة أشد خطورة، باستهداف المدن والمنشآت المدنية والاقتصادية في المملكة، وتهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وبذلك لم يعد الأمر خلافًا يمنيًا داخليًا، بل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والدولي وحركة التجارة والطاقة في العالم.

*وتؤكد الهجمات الصاروخية والمسيّرة التي استهدفت مدنًا سعودية وأوقعت إصابات بين المدنيين، إلى جانب ما أعلنه التحالف عن اعتراض مسيّرة جنوب مكة المكرمة قبل دخولها المجال المحظور للمدينة المقدسة، أن التمادي الحوثي بلغ مستوى بالغ الخطورة، فأمن المملكة وسيادتها وسلامة مواطنيها ومقيميها ومقدسات المسلمين ليست أوراقًا قابلة للاختبار، ولا مساحات لمغامرات الوكلاء*.

ومن يقرأ التاريخ السياسي والعسكري للمملكة يدرك أن صبرها ليس ترددًا، وأن ضبط النفس ليس عجزًا، وأن إفساح المجال للدبلوماسية لا يعني التنازل عن حق الدفاع المشروع، فالدولة الواثقة لا تتحرك بانفعال، وإنما تختار لحظة الرد ومكانه وحجمه بما يحقق الغاية، ويحمي المدنيين، ويمنع اتساع الخطر، ويحافظ على الاستقرار، وحين ترى القيادة أن الرد أصبح ضرورة لحماية السيادة والأمن والمقدسات، فسيكون مشروعًا ومتناسبًا وحاسمًا، في الزمان والمكان المناسبين.

لقد اختارت المملكة خلال السنوات الماضية طريق التهدئة، ودعمت الجهود الأممية، وقدمت السلام والتنمية على استمرار الحرب، وسعت إلى مساعدة اليمنيين في استعادة دولتهم وتحسين أوضاعهم الاقتصادية والإنسانية، غير أن ميليشيا الحوثي تعاملت مع فترات الهدوء باعتبارها فرصة لإعادة التسليح وترميم قدراتها وتوسيع نفوذها، لا جسرًا للسلام، وهنا تكمن المفارقة، فالمملكة استثمرت في التهدئة والتنمية، بينما استثمر الحوثي في الصواريخ والمسيّرات وخطاب التعبئة والحرب.

*وأخطر أوهام الحوثي تفسيراته للتعقل السعودي، ويظن أن أزمات المنطقة تسمح له برفع سقف التهديد من دون حساب، لكنه يتجاهل أن الردع السعودي لا يقوم على الضجيج، بل على القدرة، ولا تحكمه الرغبة في الاستعراض، بل تقدير المصالح والنتائج.*

كما تخطي الميليشيا الحوثية حين يتصور أن الدعم الإيراني قادر على منحه شرعية يمنية أو حمايته إلى ما لا نهاية، فالسلاح قد يمنح جماعة مسلحة قدرة مؤقتة على فرض الأمر الواقع، لكنه لا يصنع دولة، ولا يبني اقتصادًا، ولا يوفر شرعية، ولا يمنح اليمنيين أمنًا أو كرامة، وكلما تعمقت تبعية قرار الميليشيا للخارج، انكشفت أمام اليمنيين بوصفها سلطة مسلحة تختطف قرار الحرب والسلام، لا حركة وطنية تدافع عن مصالح اليمن.

*أما الآلة الإعلامية التي تحاول صناعة صورة بطولية زائفة للحوثي، فإنها تنتمي إلى زمن تجاوزته تقنيات الاتصال الحديثة، فلم يعد ممكنًا احتكار الرواية أو حجب الوقائع عن عالم يمتلك الأقمار الصناعية والمصادر المفتوحة وأدوات التحقق الرقمي والذكاء الاصطناعي، وقد تستطيع الدعاية تضليل بعض الناس لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع إخفاء المدن المنهكة، والاقتصاد المنهار، والأسر النازحة، والمعتقلين، ومعاناة ملايين اليمنيين.*

إن المعركة الحقيقية ليست بين المملكة واليمن، كما تحاول دعاية الحوثي تصويرها، بل بين من يريد لليمن أن يكون دولة عربية مستقلة، ومن يريده ساحة لمشروعات الخارج، فأمن اليمن والمملكة مترابطان، وقيام دولة يمنية قوية تحتكر السلاح وقرار الحرب والسلام يمثل مصلحة يمنية أولًا، وضمانة لأمن الجزيرة العربية والبحر الأحمر والملاحة الدولية.

ولهذا فإن استعادة صنعاء لا تعني مجرد تقدم عسكري أو تغيير جغرافي، بل استعادة الدولة ومؤسساتها وقرارها الوطني، والطريق إلى ذلك يبدأ بتوحيد الصف اليمني، وإنهاء التنافس داخل القوى الشرعية، وبناء قيادة وطنية متماسكة، وتحسين الخدمات في المناطق المحررة، وتقديم نموذج حكم يقنع اليمنيين بأن الدولة هي البديل الأفضل لسلطة السلاح.

ولا يكفي أن يكون الحوثي ضعيف الحجة، بل يجب أن تكون الحكومة الشرعية قوية الأداء، كما لا يكفي رفض المشروع الإيراني، بل لا بد من مشروع وطني يمني جامع يتجاوز الانقسامات الحزبية، ويحفظ حقوق جميع اليمنيين من دون تمييز أو انتقام، فصنعاء لن تعود بالشعارات وحدها، وإنما بوحدة القرار، وكفاءة المؤسسات، وثقة المجتمع، ورؤية واضحة لليوم التالي.

والسلام الحقيقي لا يعني مكافأة من حمل السلاح على انقلابه، ولا تحويل التهدئة إلى مظلة لإعادة التسليح، بل يعني تسوية عادلة وقابلة للتنفيذ تقوم على مرجعية الدولة، وإنهاء تهديد الحدود والممرات البحرية، ومنع تهريب السلاح، وإطلاق المعتقلين، وحماية المدنيين، وضمان ألا تبقى أرض اليمن منطلقًا للاعتداء على جيرانه.

*لقد آن للمجتمع الدولي أن يتجاوز بيانات القلق والإدانة، ويتحمل مسؤوليته في وقف تدفق السلاح، ومحاسبة شبكات التمويل والتهريب، وحماية الملاحة، ودعم الدولة اليمنية الشرعية، أما الشعب اليمني، فقد عرف النكبات لكنه لم يفقد قدرته على الصمود، وعانى طويلًا لكنه لم يتنازل عن حقه في الدولة والكرامة*.

ستظل *صنعاء عربية يمنية*، لا منصة لصواريخ الخارج ولا ورقة في صراعات القوى الإقليمية، إنهم يرون عودة الدولة بعيدة، ونراها قريبة، *فالطريق إلى صنعاء ليس طريق انتقام، بل طريق خلاص وطني يعيد لليمن قراره، ولليمنيين دولتهم، وللمنطقة أمنها*، وقد يطول السفر، لكن الشعوب لا تبقى رهينة إلى الأبد.