الكاتب :
التاريخ: ١٥ سبتمبر-٢٠٢٦       2750

بقلم -  د. غالية بنت عيسى الزبيدي

ثَمّةَ أسماءٌ لا تأتي إلى أصحابها مصادفة، كأنّ للاسم يدًا خفيّةً تمتدّ من حروفه إلى ملامح صاحبه، فتمنحه شيئًا من معناه، وتترك في سيرته ظلًّا من دلالته.

 ومن بين الأسماء التي كلما تأملتها وجدتُها تشرح صاحبها، اسم خالصة.

خالصة زميلتي في العمل، غير أنّ الزمالة معها تتجاوز حدود المكتب ومواعيد العمل، لتصير معنى من معاني الألفة الإنسانية التي لا تُكتسب بكثرة اللقاء، وإنما بصدق المواقف.

كلما مرّ بي أناسٌ كثيرون في هذه الحياة، بقي في الذاكرة نفرٌ قليل؛ أولئك الذين لم يكونوا عابرين، لأنهم تركوا في الروح شيئًا لا يعبر. وخالصة واحدة من هؤلاء؛ أشعر أحيانًا أن الله ادّخر لي في زحام الأيام إنسانةً خالصةً من شوائب العابرين، صافية الروح، نقيّة المقصد، لا تحتاج إلى كلام كثير كي تعرف أنها جاءت إلى الحياة وفي قلبها متّسع للآخرين.

ولعل أجمل ما في خالصة أنها لا تنتظر أن تُطلب منها الخدمة؛ فهي تراها قبل أن تُطلب، وتبادر إليها قبل أن يُشار إليها.

 تجدها خدومةً، مقدامةً، حاضرةً في موضع الحاجة، تمدّ يدها دون أن تثقلها المنّة، وتبذل وقتها وجهدها وكأن العطاء عندها طبعٌ لا تكلّف.

فحين أقرأ اسمها في القرآن أسمع ما يلفت القلب؛ فقد وردت كلمة "خالصة في سورة البقرة، في قوله تعالى:

﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.

وإن كان للقرآن سياقه المختلف هنا إلا أنني أتوقف عند جمال اللفظة في ذاتها: خالصة؛ أي صافية، نقية، لا تشوبها شائبة، وقد ذكر أهل التفسير أن "خالصة" تأتي بمعنى صافية.

وهكذا أجدني كلما ناديتُها باسمها، أسمع وراء الاسم معنى آخر:

اسم له من صاحبته نصيب؛ صفاءٌ في القلب، ونقاءٌ في التعامل.

في زمنٍ تزدحم فيه العلاقات، وتكثر فيه الوجوه، تظل هناك وجوهٌ قليلة تشبه الماء الصافي؛ لا تحتاج إلى أن تسألها عن حقيقتها، يكفي أن تقترب منها لتشعر بنقائها.

وخالصة واحدة من تلك الوجوه.

هي من أولئك الذين إذا مرّوا في حياتنا لم يتركوا وراءهم ضجيجًا، وإنما تركوا أثرًا؛ والأثر الجميل لا يحتاج إلى شاهد، لأن القلب نفسه يحتفظ به.

لذلك، حين أفكر في خالصة، لا أفكر فيها بوصفها زميلة عمل فحسب، وإنما بوصفها نصيبًا جميلًا من نصيب الإنسان في الناس؛ إنسانةً جاءت في طريق الحياة لتقول لنا، بصمتها قبل كلامها، إن الخير ما زال له أهله، وإن المروءة لا تزال تجد طريقها إلى القلوب، وإن بعض البشر يصدق فيهم الاسم حتى كأنه سيرة مكتوبة على ملامحهم.

ولأنها خالصة، فقد كان لها من اسمها نصيب.....

نصيبٌ من الصفاء، ونصيبٌ من الوفاء، ونصيبٌ من العطاء؛ ونصيبٌ أجمل من ذلك كله: أن تكون إنسانةً خالصةً في زمنٍ كثرت فيه الأشياء التي لا تكتمل.

إهداء إلى زميلتي "خالصة المعمري"

مع خالص التَّقدير.