بقلم ـ د. أحمد المنصوري
تسعى معظم المؤسسات إلى تحقيق النمو والتميز، وتضع أهدافًا طموحة ضمن خططها الاستراتيجية، إلا أن النتائج لا تكون دائمًا على مستوى تلك الطموحات، فبينما تنجح بعض المؤسسات في تحقيق إنجازات تتجاوز التوقعات، تتراجع مؤسسات أخرى رغم امتلاكها موارد مالية وبشرية وتقنية، وهذه المفارقة تقود إلى سؤال جوهري: كيف يتحول الطموح إلى إنجاز مؤسسي؟
يقول جيف بيزوس، مؤسس أمازون "الخطر الحقيقي ليس في الفشل بل في التوقف عن التطور " ولعل هذه العبارة تختصر نقطة البداية؛ فالإنجاز لا يبدأ بتوافر الإمكانات وإنما يبدأ بطموح يحدد المستقبل الذي ترغب المؤسسة في الوصول إليه، وتقدم أمازون نموذجًا واضحًا لهذه الفكرة، فمنذ تأسيسها لم يكن هدفها أن تصبح متجرًا إلكترونيًا ناجحًا فحسب بل أن تكون الشركة الأكثر تركيزًا على العميل في العالم، وقد انعكس هذا الطموح على قراراتها الاستثمارية، فتوجهت إلى بناء القدرات التمكينية (Enabling Capabilities) من خلال تطوير التقنية وتحليل البيانات ورفع كفاءة العمليات واستقطاب الكفاءات، حتى أصبحت تلك المقومات أساسًا لنموها واستمرار تفوقها، وهنا يتضح أن الطموح لم يكن هو الإنجاز نفسه بل القوة التي دفعت المؤسسة إلى بناء القدرات التي صنعت ذلك الإنجاز.
ولم يكن هذا النجاح وليد وفرة الموارد بل نتيجة طبيعية لطريقة التفكير التي سبقت بناء تلك الموارد، وتكشف تجربة أمازون أن الطموح لا يغير النتائج مباشرة بل يغير القرارات التي تسبق النتائج، ومن منظور إداري تبدأ المؤسسات المتميزة بتحديد مستوى الإنجاز الذي تسعى إليه، ثم تبني القدرات التي تمكنها من تحقيقه لا العكس، ولهذا تتجه استثماراتها نحو ما يعزز تنافسيتها واستدامة نموها بدلاً من توزيع مواردها على أولويات لا تخدم غايتها الاستراتيجية.
أما من منظور تسويقي، فالتسويق لا يحدد كيفية تحقيق الطموح فقط بل يساعد الإدارة على تحديد مستوى الطموح ذاته، لأن الطموح لا ينفصل عن فهم السوق والعميل، فكلما ازدادت المؤسسة قدرةً على قراءة المتغيرات وتحليل احتياجات العملاء واستشراف الفرص المستقبلية، أصبحت قراراتها الاستثمارية أكثر دقة، وتوجهت جهودها نحو بناء ما يعزز القيمة ويحقق ميزة تنافسية مستدامة بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة لضغوط المنافسة أو متطلبات الحاضر.
فالطموح لا يصنع الإنجاز، لكنه يصنع القرار الذي يقود إلى بناء أسباب الإنجاز، وإذا كان الطموح يحدد ما تريد المؤسسة تحقيقه، فإن الرؤية تحدد الاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه لتحقيقه، وهو ما سنتناوله في المقال القادم.