الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ سبتمبر-٢٠٢٦       4180

بقلم -  د. علي بن عالي السعدوني 

تبدو القصيدة للقراءة الأولى خطابًا عاطفيًا يصدر عن ذات خرجت من تجربة حب مثقلة بالخذلان والعتاب، وتحاول أن تعلن أمام المرأة أنها لم تسقط بانتهاء العلاقة غير أن الاقتصار على هذه الحكاية الظاهرة يختزل النص في مناسبته بينما تكشف القراءة وفق منهج ميشيل ريفاتير أن القصيدة تبني تحت سطحها الحكائي نظامًا دلاليًا أكثر تعقيدًا يقوم على انتقال الذات من موقع التلقي والانكسار إلى موقع الفعل واسترداد الإرادة ثم ينتهي بتحويل الخسارة نفسها إلى سبب لإعادة بناء الحياة، ولذلك لا تتمثل القيمة الشعرية في قصة الفراق وحدها بل في الطريقة التي استطاعت بها اللغة أن تحوّل الفراق من واقعة عاطفية إلى خطاب في الكرامة والصون والنجاة.

ينطلق ريفاتير من أن القصيدة لا تقول ما تريد قوله بالطريقة المباشرة التي تعمل بها اللغة التواصلية العادية، وإنما تنتج دلالتها عبر الانزياح، والتكثيف، والإزاحة، والعلاقات التي تتجاوز المعنى المعجمي للكلمات، ولهذا يميز بين قراءة استكشافية أولى يتحرك فيها القارئ خطيًا من كلمة إلى أخرى، وقراءة تأويلية ثانية يعود فيها إلى النص بعد أن اصطدم بما يسميه ريفاتير (اللانحوية)، وهي ليست خطأً نحويًا بالمفهوم المدرسي، وإنما موضع مقاومة للقراءة الحرفية، أو تركيبًا لا يستقيم منطقيًا إلا إذا نقلناه من نظام اللغة العادية إلى نظام الدلالة الشعرية.

في القراءة الاستكشافية تقول القصيدة حكاية واضحة نسبيًا رجل أصابه من الحب ما أصابه، واتُّهم بالطيش، ووجد نفسه أمام البعد والغيرة والخصوم والذكريات لكنه آثر الانسحاب محتفظًا باحترامه، ورفض أن يرد الجرح بجرح ثم قرر مراجعة تجربته، وجمع ما تبقى من ذاته، والهرب بما بقي من عمره إلى حياة أخرى قبل أن يكشف في النهاية أن هذه الحياة الجديدة منحته طفلة أصبحت سببًا في إعادة ترتيب علاقته بنفسه وبالعمر.

لكن هذه القراءة سرعان ما تتعثر منذ المطلع:

(كل ما رماني وجه الأيام بالطيش

غمضت شلفى عزتي في حزامي)

فالزمن لا يمتلك وجهًا، والأيام لا ترمي، والعزة ليست (شلفى) يمكن إغمادها في الحزام، وفي هذا تبدأ شعرية النص؛ لأن العبارة لا تريد من القارئ أن يتخيل مشهدًا واقعيًا، وإنما تدفعه إلى اكتشاف بنية أخرى الأيام خصم، والعزة سلاح، والذات مقاتل يملك القدرة على الرد ولكنه يختار ضبط قوته. وتزداد أهمية الصورة لأن الشاعر لا يقول إنه أشهر (شلفى عزته) بل يقول (غمضت) أي إنه أخفاها في غمدها، فتتحول القوة من ممارسة الانتقام إلى القدرة على الامتناع عنه، ومن الفعل الخارجي إلى السيادة على الذات.

ومن هذا الموضع تبدأ سلسلة من (اللانحويات) الريفاتيرية التي تنتشر في القصيدة (وجه الأيام)، (شلفى عزتي)، (فياض القلب جردا معاطيش)، (هدّاج الأيام)، (عقرب الوقت)، (عش الضياع)، (غصن المحبة)، (طفلة من غمامي). وهذه التركيبات لا يمكن التعامل معها بوصفها استعارات منفصلة تزيّن النص؛ لأنها تتضافر لتأسيس نظام دلالي كامل؛ فالمجردات تتحول إلى أشياء محسوسة، والزمن يصبح كائنًا، والعاطفة تصبح أرضًا، والضياع يتحول إلى مكان مأهول، والمحبة تتحول إلى شجرة، والغياب نفسه ينتهي إلى ولادة.

المصفوفة: استرداد الذات وصون الكرامة.

إذا انتقلنا من سطح النص إلى ما يسميه ريفاتير المصفوفة فإننا نبحث عن الوحدة الدلالية الافتراضية التي يمكن أن تكون قد ولّدت مختلف صور القصيدة وتحولاتها. والمصفوفة لا يلزم أن تظهر حرفيًا في النص بل يعيد الناقد بناءها من انتظام العلامات وتكرارها.

ويمكن اقتراح المصفوفة المركزية لهذه القصيدة في العبارة الآتية:

استرداد الذات بعد انكسار الحب مع صون الكرامة.

فحول هذه النواة تنتظم مجموعة لافتة من المفردات: (عزتي)، (باحترامي)، (عالي مقامي)، (حشمت)، (أصون)، (صيامي)، (آخر رمق باحترامي)، (ترفع راسها)، وكلها تنتمي، بدرجات مختلفة إلى حقل الصون والارتفاع والامتناع والكرامة.

وفي مقابلها يظهر حقل آخر:

(معاطيش)، (ضامي)، (حطامي)، (الضياع)، (آخر العمر)، (آخر رمق).

إننا إذن أمام حقلين متصارعين: الانهيار والصون. ومن الصراع بينهما يتولد المعنى الكلي للقصيدة؛ فالعاطفة تنكسر لكن الذات ترفض الانكسار معها.

من المفعول به إلى الفاعل النحو بوصفه سيرة نفسية

ومن أعمق العلامات الأسلوبية في القصيدة تحول موقع الذات داخل الأفعال فهي تبدأ باعتبارها متلقيًا للفعل:

(رماني وجه الأيام)

(رمتني من سحابك).

فالذات في المطلع واقعة تحت سلطة قوة أخرى؛ الأيام تفعل بها، والمرأة تفعل بها، وهي تتلقى الرمي.

غير أن البنية الفعلية تبدأ بعد ذلك في الانقلاب:

(أرحل)

(وقفت)

(أصون)

(دفعت)

(ركضت)

(أجمع)

(طيّرت)

(ربيت)

(هربت)

(أعيش)

(بطلت).

وهذا التحول النحوي ليس تفصيلًا شكليًا؛ فالذات التي بدأت مفعولًا بها تنتهي فاعلًا، والانتقال النحوي يوازي انتقالًا وجوديًا من الخضوع للحادثة إلى السيطرة على معناها. لم يستطع المتكلم تغيير الماضي لكنه استطاع تغيير موقعه منه.

وبذلك يصبح الفعل في القصيدة سجلًا لتحول الشخصية؛ فـ(رمتني) تمثل زمن الاستلاب، بينما (ركضت أجمع) تمثل زمن الاسترداد، و(ربيت) تمثل زمن البناء أما (بطلت) فتمثل لحظة القرار.

التراكم الدلالي: الماء الذي لا يروي

يقول الشاعر:

(هذي فياض القلب جردا معاطيش)

ثم يقول:

(واللي شرب من بير حمر الطرابيش

عوّد على هدّاج الأيام ضامي).

تتكرر في هذا مفردات الماء والعطش بصورة تسمح بالحديث عن تراكم دلالي، فالقلب (فياض) لكنه جرداء معطشة، والشرب لا يؤدي إلى الارتواء بل يعود صاحبه (ضاميًا)، وهكذا يقلب النص العلاقة المنطقية بين الماء والري.

فالقراءة الحرفية تقول إن من شرب ينبغي أن يرتوي، أما القراءة التأويلية فتكتشف أن القصيدة تتحدث عن عطش عاطفي لا يطفئه مجرد الاقتراب. وقد تمنح العلاقة صاحبها تجربة كثيفة، لكنها لا تمنحه السكينة.

وهذه المفارقة تفسر جانبًا من المصفوفة؛ فالذات لا تغادر لأنها لم تحب، وإنما لأنها اكتشفت أن استمرار الشرب من المصدر نفسه يعيد إنتاج العطش.

الصيام والسهم: أخلاق القوة الممتنعة

تقول القصيدة:

(وقولي لخوف عيونك السود بشويش

حشمت عن مرمى عظامك سهامي)

ثم:

(صايم وأصون الحب والملح والعيش

ما تجرحين بدمعتينك صيامي).

الصورتان على اختلاف حقليهما تنتجان معنى واحدًا القدرة التي تمتنع عن ممارسة قدرتها. ففي الصورة الأولى يملك المتكلم السهم لكنه (يحشمه) عن جسد المرأة، وفي الثانية يملك القدرة على الكلام والرد وكشف ما كان بينهما لكنه يصوم عن ذلك.

وفي هذا يتجاوز (الصيام) معناه الديني المباشر ليؤدي وظيفة سيميائية أوسع هي الامتناع الإرادي، ولذلك جاءت عبارة (أصون الحب والملح والعيش) محملة بذاكرة اجتماعية عربية عميقة؛ فالملح والعيش ليسا طعامًا في هذا السياق، وإنما علامة على العشرة والميثاق وحفظ ما كان.

وبذلك تطرح القصيدة أخلاقًا للفراق: انتهاء العلاقة لا يعني سقوط حرمة تاريخها.

(عقرب الوقت): الزمن من قاتل إلى طرف في المفاوضة

من أكثر صور النص خروجًا على المنطق المألوف قوله:

(أنا دفعت لعقرب الوقت بخشيش).

لا يمكن للوقت أن يكون عقربًا بالمعنى الحقيقي، ولا يمكن للعقرب أن يتلقى (بخشيشًا)، ولذلك تتضاعف اللانحوية داخل الصورة نفسها. فالزمن يتحول أولًا إلى كائن سام ثم يتحول هذا الكائن إلى صاحب سلطة يمكن استرضاؤه بالمال.

غير أن القراءة التأويلية تفكك هذه الاستحالة لقد دفع المتكلم من عمره ثمنًا للزمن، وخسر جزءًا من حياته حتى استطاع المرور من التجربة.

ولهذا يأتي بعدها مباشرة:

(وركضت أجمع ما بقى من حطامي).

إن (ما بقي) هي نتيجة ما أخذه (عقرب الوقت)، وبذلك تتجاور صورتا الزمن والحطام ضمن علاقة سببية عميقة؛ فالزمن أخذ، والذات بدأت تجمع.

من الخفافيش إلى الحمام: التحويل الرمزي

ثم تدخل القصيدة واحدة من أجمل مناطقها التحويلية:

(وطيرت من عش الضياع الخفافيش

وربيت في غصن المحبة حمامي).

ليست قوة البيتين في التضاد بين الخفافيش والحمام وحده بل في بنية الاستبدال: الذات لا تترك الفراغ بعد طرد الخفافيش، وإنما تضع الحمام مكانها.

فالخفافيش ترتبط بالظلمة والعزلة والخراب، بينما يستدعي الحمام الألفة والسلام والسكن، والضياع له (عش)، بينما المحبة لها (غصن)، وكأن عملية الشفاء لا تتحقق بمجرد إزالة الماضي، وإنما بخلق بديل عنه.

وفي هذا تنتقل الذات من جمع الحطام إلى صناعة الحياة.

وهذه النقلة ضرورية؛ لأن القصيدة لو توقفت عند (جمعت حطامي) لبقيت قصيدة نجاة لكنها مع (ربيت في غصن المحبة حمامي) تصبح قصيدة إعادة بناء.

النموذج والتحويل: (الطيش) بين المطلع والخاتمة

تكشف البنية الدائرية للنص عن واحدة من أهم علاماته، فكلمة (الطيش) تظهر في المطلع:

(كل ما رماني وجه الأيام بالطيش)

ثم تعود في آخر بيت:

(وبطلت أنزّل مستوى العمر بالطيش).

لكن الكلمة نفسها تغيرت وظيفتها بصورة جذرية. ففي البداية كان (الطيش) حكمًا خارجيًا يُرمى به المتكلم أما في النهاية فيصبح سلوكًا يملك المتكلم قرار التخلي عنه.

في البداية يقول الآخرون من أنت، وفي النهاية يقرر المتكلم من يريد أن يكون.

وهذه المسافة بين (رماني بالطيش) و(بطلت الطيش) تختصر الرحلة النفسية كلها، ولهذا يمكن النظر إلى (الطيش) بوصفه أحد النماذج اللفظية التي تتجسد من خلالها المصفوفة، إذ تنتقل الذات من الدفاع عن صورتها إلى إعادة تشكيلها.

المفاجأة التأويلية: الطفلة التي أعادت كتابة القصيدة

تأتي اللحظة الأكثر تأثيرًا في قوله:

(وأبشرك يا أم العيون المراييش

بُعدك عطاني طفلةً من غمامي).

فالقصيدة التي ظلت تتحرك في مجال الفقد والرحيل والاحترام والحطام تقدم فجأة علامة جديدة: الطفلة.

وهذه العلامة لا تضيف حدثًا إلى القصة فقط بل تعيد تأويل ما سبقها

فالغياب الذي قرأناه خسارة يصبح طريقًا غير مباشر إلى العطاء، والفراق الذي بدأ نهاية يصبح شرطًا لبداية أخرى، ولذلك تنقلب علاقة السببية بصورة مدهشة في عبارة (بُعدك عطاني).

البعد يأخذ عادة لكنه هنا يعطي.

وتبلغ المفارقة ذروتها في (طفلة من غمامي)؛ لأن الغمام نفسه يعيدنا إلى فضاء السحاب الوارد في بداية القصيدة: (من سحابك مراهيش). وكأن النص ينتقل من سحاب مرتبط بالألم إلى غمام مرتبط بالولادة؛ فالمجال التصويري نفسه يخضع للتحويل من القسوة إلى الخصب.

الهيبوغرام والذاكرة الثقافية:

أما الهيبوغرام في مفهوم ريفاتير، فيحتاج إلى قدر من الاحتراز؛ إذ لا يصح اختراع نص غائب ثم نسبته إلى القصيدة دون دليل. ولا يظهر في النص المقدم تناص صريح يسمح بالجزم بوجود قصيدة بعينها تعمل بوصفها هيبوغرامًا له.

لكن يمكن الحديث بدرجة أكبر من الاطمئنان عن ذاكرة ثقافية جمعية تستدعيها مفردات مثل(العزة)، و(المقام)، و(الملح والعيش)، و(رفع الرأس)، و(السهم)، و(العطش)، وهي تعبيرات تتصل بمخزون واسع من القيم والصور في الثقافة العربية والشعر الشعبي ولا سيما قيم الوفاء وحفظ العشرة والأنفة وعدم التشفي بعد الفراق.

وبهذا المعنى لا تتكلم القصيدة من فراغ بل تدخل في حوار ضمني مع خطاب ثقافي سابق يرى أن قيمة الرجل لا تظهر في قدرته على الانتقام ممن فارقه، وإنما في الطريقة التي يحفظ بها نفسه وعشرته بعد انتهاء العلاقة.

(باحترامي): الكلمة التي تختصر النص

إذا كانت القصيدة موزعة بين عشرات الصور، فإن كلمة (باحترامي) تكاد تكون مفتاحًا تأويليًا لها كلها.

يقول:

(ارحل على قول العرب باحترامي).

ثم بعد رحلة الحطام والضياع والزمن:

(شايل معي آخر رمق باحترامي).

فالاحترام يظهر عند قرار الرحيل ثم يظهر عند إنقاذ ما تبقى من العمر، وكأن كل ما حدث بين الموضعين اختبار لهذه القيمة.

إن المتكلم لا يريد إثبات أنه لم يتألم؛ فالقصيدة نفسها تعترف بالحطام والعطش والضياع، وإنما يريد إثبات شيء مختلف: أن الألم لم يستطع أن يغير المبدأ الذي يريد أن يرى نفسه من خلاله.

وهذه نقطة فارقة في فهم النص؛ لأنه لا يبني بطولة زائفة لرجل لا يُجرح بل يبني صورة إنسان يُجرح ثم يقرر ماذا يفعل بجرحه.

من (عزتي) إلى (راسها): التحول الأعمق في القصيدة

وإذا كان المطلع يقول:

(شلفى عزتي)

فإن النهاية تقول:

(عشان ترفع راسها ديم سامي).

وفي هذا يقع التحول الأعمق؛ ففي البداية كانت الكرامة مرتبطة بضمير المتكلم: عزتي، مقامي، احترامي بينما تتحول في النهاية إلى مسؤولية تجاه الطفلة: راسها.

وهذا الانتقال من (أنا) إلى (هي) ليس تحولًا ضميريًا فحسب وإنما تحول في فلسفة الحياة داخل القصيدة. فالذات في البداية تحافظ على كرامتها لكي تنجو بنفسها ثم تكتشف في النهاية أنها مطالبة بالحفاظ على مستوى حياتها لأن هناك طفلة ستنظر إليها.

ولذلك تأتي الثنائية الدقيقة:

(أنزّل مستوى العمر)

في مقابل

(ترفع راسها).

هبوط الأب يقابله ارتفاع الابنة، فيقرر المتكلم الامتناع عن الأول حتى يتحقق الثاني.

وحدة النص في منظور ريفاتير

عند جمع هذه العلامات يتبين أن الصور التي بدت متفرقة في القراءة الأولى تتجه كلها نحو مركز واحد. (شلفى العزة) ليست منفصلة عن (صيام الحب)، و(صيام الحب) ليس منفصلًا عن (جمع الحطام)، و(جمع الحطام) ليس منفصلًا عن (طرد الخفافيش)، وهذه كلها ليست منفصلة عن (طفلة من غمامي).

إنها تحولات متعددة لمصفوفة واحدة:

ذات مجروحة تستعيد نفسها بالكرامة ثم تعيد توجيه حياتها نحو معنى يتجاوز جرحها.

وبهذا يمكن تمثيل الحركة العميقة للقصيدة في مسار دلالي متتابع:

الرمي ← الجرح ← الامتناع ← الرحيل ← العطش ← مراجعة الذات ← جمع الحطام ← طرد الضياع ← بناء المحبة ← إنقاذ العمر ← الطفلة ← المسؤولية.

وليس المهم في هذا المسار أن الألم اختفى، وإنما أن وظيفته تغيرت؛ فقد كان في البداية قوة تهدد الذات ثم أصبح في النهاية خبرة دفعتها إلى إعادة تشكيل حياتها.

إن شعرية هذه القصيدة، وفق القراءة الريفاتيرية لا تستقر في مفرداتها الشعبية وحدها، ولا في صورها المتتابعة، ولا حتى في حكاية الحب التي تقف خلفها، وإنما في قدرتها على بناء دلالة غير مباشرة تجعل القارئ يبدأ بقصة فراق ثم ينتهي أمام قصة استرداد للذات.

فالقصيدة تبدأ بـ(رماني)، وتنتهي بـ(بطلت)؛ تبدأ بفعل يمارسه الآخر في الذات، وتنتهي بفعل تقرره الذات لنفسها. وتبدأ بـ(الطيش) تهمةً، وتنتهي به خيارًا مرفوضًا، وتبدأ بالعزة سلاحًا يحمي صاحبها، وتنتهي بالكرامة رأسًا يريد الأب أن يظل مرفوعًا لطفلته.

وهكذا لا يكون التحول الحقيقي في القصيدة انتقال الرجل من امرأة إلى حياة أخرى بل انتقاله من أن يكون موضوعًا لجرحه إلى أن يصبح صانعًا لمعنى هذا الجرح، وهذه هي النقطة التي تمنح النص وحدته السيميائية؛ فالفراق حدث، والحطام أثر، والاحترام موقف، والطفلة مستقبل، وبين الحدث والمستقبل تعبر الذات طريقًا طويلًا حتى تستطيع أن تقول دون أن تقولها مباشرة: خسرت شيئًا من الحب لكنني استعدت نفسي ثم وجدت ما يجعل المحافظة عليها ضرورة تتجاوزني.