الكاتب : النهار
التاريخ: ١٠ يوليو-٢٠٢٦       4180

بقلم ـ د. علي بن عالي السعدوني

في الوقت الذي تبذل فيه المملكة العربية السعودية جهودًا استثنائية ومتواصلة من أجل تحويل السياحة الداخلية إلى أحد أهم روافد الاقتصاد الوطني، ومن أجل بناء صناعة سياحية قادرة على استقطاب المواطنين والمقيمين والزوار عبر مشاريع عملاقة ومواسم متنوعة وتجارب نوعية تتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 يلفت الانتباه ظهور بعض المشاهير في حملات دعائية مكثفة للترويج لوجهات سياحية خارجية، ولشركات سفر ومكاتب سياحية ، ولبرامج موسمية تدعو إلى قضاء الإجازات خارج الوطن، وهو مشهد يستحق التأمل، ويستوجب النقاش، ويثير أسئلة مشروعة حول مدى انسجام هذه الرسائل الإعلانية مع الجهود الوطنية المبذولة في تنشيط السياحة الداخلية، وفي دعم الاقتصاد المحلي، وفي تعزيز ثقافة اكتشاف الوطن قبل البحث عن الوجهات البعيدة.

ولا أحد يعترض على حرية الإنسان في السفر، ولا على حق الشركات في التسويق لخدماتها وفق الأنظمة المرعية غير أن من يمتلك تأثيرًا واسعًا في المجتمع، ومن يتابعه مئات الآلاف أو الملايين لا يقدم مجرد إعلان عابر، بل يصنع اتجاهًا عامًا، ويؤثر في قرارات الأسر، ويعيد تشكيل أولويات المتابعين، ويمنح الوجهة التي يروج لها قيمةً معنويةً تتجاوز حدود الإعلان التجاري إلى صناعة القناعة الجماهيرية؛ ولذلك فإن المسؤولية المعنوية للمشهور لا تقل أهمية عن مسؤوليته الإعلامية؛ لأن الكلمة المؤثرة قد تغير سلوكًا، والصورة الجاذبة قد تصنع قرارًا، والمقطع القصير قد يحرك ملايين الريالات خارج الدورة الاقتصادية الوطنية.

ومن المؤسف أن نجد في ذروة الموسم السياحي المحلي، وفي الوقت الذي تستعد فيه المدن السعودية لاستقبال الزوار عبر المهرجانات والفعاليات والبرامج الثقافية والترفيهية والرياضية بعض الحسابات المؤثرة تمتلئ بإعلانات تدعو إلى السفر نحو دول أخرى، وتقدم تلك الوجهات بوصفها الخيار الأمثل للإجازة، وكأن الوطن يخلو من المقومات، وكأن ما تحقق من تطور سياحي خلال الأعوام الأخيرة لم يكن جديرًا بأن يحظى بجزء من هذا الحضور الإعلامي الكبير الذي يملكه هؤلاء المشاهير.

وهنا تبرز علامة استفهام كبيرة ليس حول حق الإعلان في ذاته، وإنما حول طبيعة الرسالة التي يقدمها المؤثر، وحول مدى إدراكه بأن تأثيره لا يقف عند حدود العقد التجاري الذي وقعه مع جهة إعلانية، وإنما يمتد إلى التأثير في الاقتصاد الوطني، وفي حركة الإنفاق المحلي، وفي دعم المنشآت السياحية الوطنية، وفي تعزيز فرص العمل التي تنمو بازدهار القطاع السياحي داخل المملكة.

إن الشهرة ليست مجرد أرقام للمتابعين، ولا وسيلة لتعظيم العوائد المالية، بل مسؤولية اجتماعية ووطنية تقتضي أن يوازن المؤثر بين المكسب التجاري الآني، وبين الأثر البعيد الذي تتركه رسائله في المجتمع، وأن يدرك أن الإعلان ليس نشاطًا منفصلًا عن المصلحة العامة، وإنما جزء من منظومة إعلامية واقتصادية تؤثر في توجهات الناس وسلوكهم الاستهلاكي واختياراتهم الموسمية.

لقد استثمرت الدولة مليارات الريالات في تطوير الوجهات السياحية، وفي إنشاء المنتجعات، وفي دعم الفعاليات، وفي تحسين البنية التحتية، وفي صناعة تجربة سياحية تنافس الوجهات العالمية، وأصبح من الطبيعي أن تتكامل جميع الجهود الرسمية والإعلامية والمجتمعية في دعم هذه المنجزات، وأن يكون للمشاهير نصيب من هذه المسؤولية؛ لأنهم يمثلون قوة إعلامية مؤثرة لا تقل في بعض الأحيان عن المؤسسات الإعلامية التقليدية.

ولا يعني ذلك إغلاق الباب أمام الإعلان الخارجي، أو مصادرة حرية الاختيار بل يعني أن يكون هناك قدر من التوازن، وأن تُمنح السياحة الوطنية الأولوية في مواسمها، وأن يُدرك كل مؤثر أن نجاح القطاع السياحي المحلي ليس نجاحًا لوزارة بعينها، وإنما نجاح للوطن بأكمله، وللاقتصاد الوطني، وللمواطن الذي ستنعكس عليه آثار هذا النمو في صورة فرص عمل واستثمارات جديدة وتنمية مستدامة وجودة حياة أفضل.

إن السؤال الذي يكون حاضرًا في الذهن هو: كيف يمكن أن نطالب المجتمع بدعم السياحة الداخلية بينما يرى بعض أكثر الشخصيات تأثيرًا يوجهون بوصلتهم الإعلانية نحو الخارج في أكثر الفترات احتياجًا إلى تعزيز الحراك السياحي المحلي؟ وكيف نرسخ ثقافة اكتشف وطنك أولًا بينما تقدم بعض المنصات المؤثرة رسائل دعائية توحي بأن متعة الإجازة لا تكتمل إلا خارج الحدود؟

إن المرحلة الحالية تتطلب شراكة وطنية حقيقية، تشارك فيها الجهات الرسمية، والقطاع الخاص، ووسائل الإعلام، وصناع المحتوى، والمشاهير؛ لأن بناء صناعة سياحية راسخة لا يتحقق بالمشروعات وحدها، وإنما يتحقق أيضًا بالرسائل الإعلامية التي تعزز الثقة بالوطن، وتبرز جماله، وتدعو إلى استكشافه، وتجعل المواطن أول سفير للسياحة في بلده، وأول الداعمين لمنجزاته، وأول المؤمنين بأن الاستثمار في الداخل هو استثمار في مستقبل الوطن واقتصاده وأبنائه.