النهار

٢٤ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ يونيو-٢٠٢٦       2255

بقلم- د. علي بن  عالي  السعدوني
حين تتجه بعض إدارات التعليم إلى توسيع دائرة الصلاحيات الممنوحة لمديري ومديرات المدارس في اختيار التشكيلات المدرسية وتجديد فرق العمل داخل المدرسة، فإن القضية لا ينبغي أن تُفهم على أنها مجرد إجراء إداري عابر أو ممارسة تنظيمية تمنح المدير مساحة أوسع من الحركة، وإنما يجب أن تُقرأ بوصفها قضية تمس جوهر العملية التعليمية نفسها؛ لأن المدرسة ليست مبنى تُدار شؤونه اليومية بالحضور والانصراف وتوزيع الجداول فحسب، وإنما مؤسسة تصنع الإنسان، وتبني الوعي، وتشكل المستقبل، وكل خلل إداري صغير داخلها يتحول مع الزمن إلى أثر كبير في مستوى الطالب، وفي جودة المخرجات، وفي صورة التعليم كلها أمام المجتمع.
فكرة تمكين مدير المدرسة في أصلها ليست خاطئة، بل هي حق مشروع ومبدأ إداري معروف؛ لأن المدير هو الأقرب إلى تفاصيل العمل اليومي، وهو الذي يرى أداء المعلمين، ويتابع انضباط الوكلاء، ويعرف طبيعة البيئة المدرسية، ويقف على احتياجات الطلاب؛ ولذلك فإن إشراكه في صناعة القرار أمر منطقي ومطلوب، غير أن المشكلة لا تكمن في أصل الصلاحية، بل في غياب الضمانات التي تضبط استخدامها؛ لأن الصلاحية إذا وُضعت في يد من لا يملك أدوات القيادة الحقيقية، أو في يد من يتعامل مع الإدارة بوصفها سلطة شخصية لا مسؤولية مهنية، فإن المدرسة تتحول من بيئة تعليمية منضبطة إلى مساحة اجتهادات فردية، تحكمها العلاقات أكثر مما تحكمها الأنظمة، وتتحرك فيها القرارات وفق المزاج أكثر مما تتحرك وفق المصلحة التعليمية.
الواقع الميداني في كثير من المدارس خلال السنوات الأخيرة أظهر أن بعض القيادات المدرسية لم تصل بعد إلى النضج الإداري الذي يجعلها قادرة على حمل هذا النوع من الصلاحيات الواسعة؛ فهناك من يتأخر عن الحضور إلى المدرسة حتى ساعات متأخرة من الصباح وكأن الانضباط مطلب للمعلم وحده لا للمدير، وهناك من يضعف حضوره الفني داخل الصفوف فلا زيارات صفية حقيقية، ولا متابعة مهنية لأداء المعلمين، ولا تغذية راجعة تصنع فرقًا، وهناك من يفتقر إلى مهارة تشخيص المشكلة أصلًا، فيتعامل مع ضعف التحصيل الدراسي أو اضطراب الانضباط الطلابي أو ضعف نواتج التعلم بوصفها أحداثًا عابرة لا تحتاج إلى خطط علاجية جادة، وكأن المدرسة تُدار بردة الفعل لا بمنهجية التخطيط والتحليل.
الأخطر من ذلك أن بعض المدارس حين تُمنح فيها الصلاحيات دون رقابة قوية تتحول فيها التشكيلات المدرسية إلى أدوات نفوذ داخلي، فيُقدَّم القريب ويُؤخَّر المستحق، وتُمنح المسؤوليات وفق مساحة الرضا الشخصي لا وفق معيار الكفاءة، ويصبح المعلم المجتهد في أحيان كثيرة أقل حظًا من صاحب العلاقة الأقرب، فتضعف العدالة الوظيفية داخل المدرسة، ويشعر كثير من المعلمين أن الجهد المهني وحده لا يكفي ما لم يكن مصحوبًا برضا شخصي من صاحب القرار، وهذه الحالة لا تُكتب في تعميم رسمي، لكنها تُمارس بصمت، وتُنتج بيئة مدرسية مضطربة تُضعف الثقة، وتقتل الحافز، وتنعكس مباشرة على الطالب الذي هو الغاية النهائية لكل عمل تربوي.
وفي وسط هذا المشهد يبرز سؤال مهم: أين الإشراف التربوي؟ وأين ذلك الدور الذي كان يمثل عصب التعليم الحقيقي وضابطه المهني؟ لأن المدرسة لا يمكن أن تُترك لسلطة المدير وحده مهما كانت كفاءته، كما لا يمكن أن يُبنى نجاح التعليم على الثقة المجردة دون رقابة مهنية واعية تعرف كيف تتابع وكيف تحاسب وكيف تتدخل في الوقت المناسب. الإشراف التربوي لم يكن يومًا وظيفة شكلية أو زيارة بروتوكولية تحمل استمارة تقويم ثم تنصرف، بل كان عبر سنوات طويلة هو الميزان الذي يحفظ استقامة المدرسة، والعين التي ترى ما لا يُكتب في التقارير، والجهة التي تمنع تضخم السلطة داخل الإدارة المدرسية، وتعيد تصحيح المسار حين يختل.
لكن ما حدث في السنوات الأخيرة أن هذا الدور الحيوي تراجع بصورة واضحة، حتى أصبح مشرف الدعم – الذي يُفترض أن يكون امتدادًا لهذا العمق الإشرافي – يعيش حالة من الحضور الشكلي أكثر من الفاعلية الحقيقية، فهو يدخل المدرسة ويرى الخلل، ويستمع إلى الشكاوى، ويلاحظ ضعف الأداء، ويشخص المشكلات بدقة، لكنه في كثير من الأحيان لا يملك الصلاحية التي تمكنه من صناعة أثر حقيقي، فلا سلطة مؤثرة في تقويم مدير المدرسة، ولا قدرة حاسمة على إلزام المقصر بخطة علاجية، ولا صلاحية مباشرة في محاسبة من يضعف أداؤه، وكأن المطلوب منه أن يكون شاهدًا على المشكلة لا شريكًا في حلها، وأن يدوّن الملاحظة ثم يغادر، بينما تبقى المدرسة على حالها، وتبقى المشكلة نفسها تتكرر في الزيارة التالية.
هذا الضعف لم يُفقد المشرف هيبته المهنية فقط، بل أفقد المدرسة كذلك أحد أهم عناصر الاتزان فيها، لأن المدير حين يعلم أن المتابعة ضعيفة، وأن المشرف لا يملك سلطة مؤثرة، فإن الانضباط الإداري يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وتتحول بعض القرارات إلى اجتهادات شخصية لا تجد من يراجعها مراجعة مهنية جادة، وهذا ما نراه في تفاوت الأداء بين المدارس، وفي ضعف نواتج التعلم، وفي تراجع كثير من المؤشرات التي لا يمكن إصلاحها بمجرد التعاميم أو الاجتماعات الشكلية.
أما المدارس الأهلية، فإن الحاجة فيها إلى إشراف قوي أشد ضرورة وأكبر إلحاحًا، لأن بعض هذه المدارس – مع كامل التقدير للتجارب الناجحة منها – قد تنظر إلى التعليم من زاوية استثمارية أكثر من كونه رسالة تربوية، فتُقدَّم الحسابات المالية أحيانًا على جودة المخرجات، ويُنظر إلى المعلم بوصفه بندًا تشغيليًا يمكن تقليصه لا شريكًا أساسيًا في بناء الطالب، وتظهر بعض صور التراخي في الانضباط، وضعف المتابعة، والتفاوت الكبير في مستوى الكفاءات، وأحيانًا في ممارسات لا تليق برسالة التعليم أصلًا، وهنا يكون الإشراف التربوي القوي ضرورة وطنية لا ترفًا إداريًا، لأنه الحارس الحقيقي لجودة التعليم، والضامن لحق الطالب في مدرسة تقدم تعليمًا حقيقيًا لا مجرد شهادة ورسوم دراسية.
إن إصلاح التعليم لا يبدأ من منح المدير مزيدًا من الصلاحيات ثم انتظار النتائج، وإنما يبدأ من إعادة بناء منظومة التوازن بين القيادة والرقابة، بين الثقة والمحاسبة، بين التمكين والانضباط، وذلك لا يتحقق إلا بإعادة الاعتبار للإشراف التربوي، ومنح مشرف الدعم صلاحيات حقيقية تمكّنه من أداء دوره الكامل، لا أن يبقى مجرد اسم في الهيكل الإداري بلا أثر ملموس، لأن المدرسة تحتاج إلى مدير قائد، نعم، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى مشرف قوي يعرف كيف يضبط الأداء، وكيف يصحح الانحراف، وكيف يحفظ المدرسة من أن تتحول إلى مساحة نفوذ شخصي أو اجتهادات غير محسوبة.
ولهذا فإن إعادة الإشراف التربوي إلى مكانه الطبيعي، ومنحه الصلاحيات الكاملة في المتابعة والتقويم والمحاسبة، ليست رجوعًا إلى الماضي كما يظن البعض، بل هي خطوة ضرورية لحماية مستقبل التعليم نفسه؛ لأن المدرسة لا تُبنى بالصلاحيات وحدها، وإنما تُبنى بمنظومة متكاملة يكون فيها المدير قائدًا، والمشرف ميزانًا، والمعلم شريكًا، والطالب هو المركز الذي تدور حوله جميع القرارات، وما عدا ذلك فإننا نمنح السلطة ونفقد الجودة، ونوسع الصلاحيات بينما تضيق نتائج التعلم عامًا بعد عام.