الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ سبتمبر-٢٠٢٦       2145

بقلم المستشار د. سعود عقل 

حين انتقلت السلعة من الرفّ إلى الشاشة... كان على الحماية القانونية أن تنتقل معها

لم تعد المسافة بين المستهلك والسلعة تُقاس بخطواته داخل السوق بل بلمسة إصبع على شاشة هاتف. تغيّرت واجهة البيع واختفت في كثير من الصفقات ملامح البائع وحلّت الصور الرقمية محلّ المعاينة والتقييمات محلّ السؤال وخوارزميات الاقتراح محلّ البائع الذي كان يقف خلف متجره.

لكن خلف هذه السهولة المدهشة ينهض سؤال قانوني بالغ الأهمية: حين تصبح الصفقة افتراضية، هل تصبح حقوق المستهلك افتراضية أيضا؟

في المملكة العربية السعودية: جاءت المنظومة التنظيمية للتجارة الإلكترونية لتقول العكس فكلما ابتعدت المعاملة عن صورتها التقليدية ازدادت الحاجة إلى وضوح الالتزام وإثبات الحقوق ومساءلة من يقف خلف الشاشة.

ففي السوق التقليدي تدخل المتجر ترى السلعة تلمسها.. تقارنها بغيرها وتسأل عن خصائصها قبل أن تدفع ثمنها.

أما في السوق الإلكتروني فأنت في جانب كبير من العملية الشرائية تشتري وصفا قبل أن تشتري شيئا.

وهنا يولد أحد أكثر التحولات القانونية إثارة للاهتمام فالمعلومة التي كانت عنصرا مساعدا في البيع التقليدي أصبحت في التجارة الإلكترونية جزءا جوهريا من بناء رضا المستهلك.

ولهذا ألزم نظام التجارة الإلكترونية السعودي موفر الخدمة بإظهار بيانات محددة في متجره الإلكتروني كما أوجب أن يتضمن بيان العقد الإلكتروني معلومات تتعلق بخصائص محل العقد، والثمن وترتيبات الدفع والتسليم والتنفيذ وغيرها من البيانات التي تمكّن المستهلك من اتخاذ قراره على أساس أكثر وضوحا.

إنها فلسفة قانونية دقيقة: حين تتعذر المعاينة الكاملة، تصبح المعلومة إحدى وسائل الحماية.

أما في العالم الرقمي قد يبدأ العقد قبل أن يشعر المستهلك بأنه دخل في مفاوضات أصلا.

صورة جذابة ..عبارة مختارة بعناية ...إعلان يلاحق المستخدم بين التطبيقات .. أو مؤثر يعرض منتجا في سياق يبدو عفويا كلها أدوات قادرة على صناعة القرار الشرائي قبل الوصول إلى زر (اشتر الآن)

لذلك لا ينظر التنظيم السعودي إلى الإعلان الإلكتروني بوصفه زينة تسويقية منفصلة تماما عن المسؤولية. فنظام التجارة الإلكترونية يتناول الإعلان الإلكتروني ويمنع تضمينه ادعاءات من شأنها خداع المستهلك أو تضليله كما يتصدى لاستخدام العلامات التجارية على نحو غير مشروع.

وهنا تظهر قاعدة تستحق أن تُكتب فوق أبواب المتاجر الرقمية:

الشاشة لا تمنح الكذب حصانة.

فحداثة الوسيلة لا تلغي قدم المبدأ المستهلك يستحق أن يعرف حقيقة ما يُعرض عليه وألا يتحول جمال الإعلان إلى ستار يخفي نقص الحقيقة.

حق التراجع... مهلة بين الرغبة والندم

من أذكى أدوات حماية المستهلك الإلكتروني الاعتراف بأن قرار الشراء عن بُعد يختلف عن القرار الذي يأتي بعد معاينة مباشرة.

وقد منح النظام السعودي، وفق ضوابطه واستثناءاته.. المستهلك حق فسخ العقد خلال سبعة أيام من تاريخ تسلّمه المنتج أو من تاريخ التعاقد على تقديم الخدمة ..متى لم يستخدم المنتج أو ينتفع بالخدمة أو يحصل على منفعة منهما.

لكن هذا الحق ليس مطلقا فالنظام يقرر استثناءات مرتبطة بطبيعة بعض السلع والخدمات والظروف المحيطة بها.

وقيمة هذا الحق تتجاوز مسألة (إرجاع سلعة).. إنه يعيد شيئا من التوازن إلى عقد أُبرم خلف شاشة حيث تكون الصورة أسرع من التأمل والإغراء أسرع من التحقق والدفع أحيانا أسرع من السؤال.

نرى أحيانا: طلبك قيد التجهيز

عبارة صغيرة قد تتحول أحيانا إلى إقامة طويلة في شاشة المستهلك.

ولهذا عالج النظام مسألة التأخر في التسليم أو تنفيذ الخدمة ومنح المستهلك ـ وفق الشروط النظامية ـ حق فسخ العقد واسترداد ما دفعه إذا تأخر موفر الخدمة عن التسليم أو التنفيذ أكثر من خمسة عشر يوما من التاريخ المتفق عليه أو المحدد لذلك.

المغزى هنا شديد الوضوح: الزمن في العقد الإلكتروني ليس تفصيلا تقنيا.

فالمستهلك لم يدفع ثمن السلعة وحدها وإنما تعاقد كذلك على التزام يجب أن يُنفذ ضمن إطار زمني معلوم.

وهناك مستهلك آخر يولد مع كل عملية شراء إلكترونية: المستهلك بوصفه بيانات.

اسمه، رقم هاتفه، عنوانه، تفضيلاته، سجل طلباته، وربما أنماط سلوكه الشرائي جميعها تجعل التجارة الرقمية أوسع من مجرد تبادل مال بسلعة.

وهنا تتقاطع حماية المستهلك مع حماية البيانات الشخصية وقد وضع نظام حماية البيانات الشخصية السعودي إطارا لتنظيم معالجة البيانات الشخصية وحقوق أصحابها والتزامات الجهات التي تتعامل معها.

وهذا التحول بالغ الدلالة لأن خسارة المستهلك في العصر الرقمي لم تعد محصورة في منتج معيب أو مبلغ مالي...قد تكون الخسارة معلومة خرجت من نطاق السيطرة أو خصوصية جرى التعامل معها دون الأساس النظامي اللازم.

لذلك أصبحت الثقة الرقمية رأسمالا لا يقل أهمية عن رأس المال التجاري.

ومع ذلك سيكون من المبالغة أن نحمّل القانون وحده مهمة الوقوف خلف كل هاتف.

فأقوى منظومة تشريعية تحتاج إلى مستهلك يعرف كيف يستخدم حقوقه.

قبل الدفع ينبغي التحقق من هوية المتجر وبياناته وقراءة شروط البيع والاسترجاع والاحتفاظ بالفواتير والمراسلات والحذر من الروابط والصفحات المجهولة وعدم الانخداع بالسعر حين يكون انخفاضه غير منطقي.

فالحماية الحديثة تقوم على معادلة ذات طرفين: قانون يمنح الحق، ووعي يعرف كيف يصونه.

لقد غيّرت التجارة الإلكترونية أكثر من طريقة التسوق؛ لقد غيّرت طبيعة الثقة نفسها.

كان المستهلك قديما يرى المتجر وصاحبه والسلعة أمامه أما اليوم فقد يشتري في منتصف الليل من منشأة تبعد عنه مئات الكيلومترات دون أن يرى إنسانا واحدا طوال العملية.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للقانون: أن يجعل للثقة غير المرئية أساسا مرئيا من الحقوق والالتزامات.

فالقانون لا يستطيع أن يمنع كل عملية احتيال ولا أن يضمن أن تكون كل تجربة شراء مثالية لكنه يستطيع أن يرسم حدود السوق وأن يحدد مسؤوليات أطرافه وأن يمنح المتضرر طريقا للمطالبة بحقه.

لقد انتقل السوق من الحجر إلى الخوارزمية ومن الواجهة الزجاجية إلى الشاشة ومن النقود في اليد إلى الدفع الإلكتروني...

لكن حق المستهلك لم يفقد عنوانه.

فالتجارة تستطيع أن تغيّر شكلها ألف مرة، أما العدالة في المعاملة فلا ينبغي أن تكون موضة تتغير بتغيّر السوق.