بقلم: عبدالله الكناني
تتغير مائدتنا اليوم كما تتغير تفاصيل حياتنا، فلا يعود الطعام مجرد حاجة نسد بها الجوع، ولا تبقى المائدة مجرد مكان نجتمع حوله ،وتتزاحم أمامنا الوجبات السريعة، والأطعمة النباتية والعضوية و(الكيتو)، وتدخل مطابخ العالم إلى بيوتنا عبر تطبيق صغير في الهاتف، حتى يصبح السؤال مشروعًا: ماذا يبقى من مائدتنا التي تنبت مكوناتها في أرضنا، ومواشينا التي ترعى من خيراتها، ويحصد أهلها زرعها، وتصنع أيدي أمهاتنا وجداتنا أطباقها ونكهاتها؟
نستقبل الجديد ولا نرفضه، ونستفيد من التقنية، ولا يمكن أن نطالب الناس بالعودة إلى الماضي بكل تفاصيله، نعم ،تتغير الحياة، وتتسارع أيامها، وتختصر تقنيات إعداد الطعام كثيرًا من الوقت والجهد، ننتقل من الطبخ على الحطب إلى لهب الغاز، ثم إلى الكهرباء والأفران والميكروويف وأجهزة الطهي الذكية، ويَعِدنا القادم بمزيد من الراحة والسرعة، لكننا نخشى أن نكسب الراحة ونفقد معها شيئًا من النكهة والفائدة، وأن تضعف علاقتنا بطعامنا وثقافتنا الغذائية.
تنبت مائدتنا في أصلها من البيئة التي نعيش فيها، نأكل مما تزرع الأرض، ونستفيد مما ترعى الماشية، ونصنع مما تنتجه النخلة والأشجار وفي المزرعة غذاءنا اليومي. ويحضر التمر وانواع الحبوب من الدخن والذرة والقمح واللبن والسمن والعسل والخضراوات واللحوم في وجباتنا، فلا تمثل مجرد مكونات، بل تشكل دورة حياة واقتصاد تبدأ من الأرض وتنتهي حول مائدة الأسرة.
ويحكي مطبخ كل منطقة في المملكة جغرافيتها وتاريخها؛ فتختلف أكلات الجبال عن السواحل، وتتباين أطباق السهول والصحراء، وتمنح مناطق المملكة، من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها، المائدة السعودية تنوعًا هائلًا يجعل الطعام جزءًا أصيلًا من ثراء هويتنا الوطنية.
وتدخل صناعة الغذاء الحديثة إلى حياتنا بكل قوتها، فتزدحم الأسواق بعلب أنيقة وأكياس براقة وصور شهية وعبارات تتحدث عن البروتين والطاقة والفيتامينات و(الطبيعي) و (العضوي) و (قليل الدهون) و (قليل السكر)، ولا ينتظر المطعم أن نذهب إليه، بل يأتي إلينا حتى باب المنزل.
نفتح الهاتف فتظهر مطابخ العالم أمامنا، وتلاحقنا العروض والخصومات والإشعارات والقسائم، ثم تنطلق سيارة أو دراجة بالطعام إلى المنزل، وتجوب مركبات التوصيل شوارع مدننا وأحياءنا ليلًا ونهارًا، حتى تصبح جزءًا من المشهد اليومي، وتحمل معها تحولًا اجتماعيًا وغذائيًا يستحق أن نتوقف أمامه.
ولا نلوم التقنية أو خدمة التوصيل في ذاتها*؛ فهي تيسر حياة الناس، وتخلق نشاطًا اقتصاديًا وفرص عمل، وتلبي احتياجات فرضها إيقاع الحياة الحديثة، لكننا نسأل: *هل تصبح سهولة الحصول على الطعام أكبر من قدرتنا على اختيار الطعام الذي نحتاج إليه فعلًا؟
نطلب الطعام اليوم أحيانًا قبل أن نجوع؛ فيغرينا الإعلان، وتستثير الصورة شهيتنا، ويذكرنا الإشعار بالوجبة، ويستعجلنا الخصم قبل انتهائه، ويزيل التوصيل السريع المسافة بين الرغبة والشراء. وتنتقل بذلك صناعة الغذاء تدريجيًا من تلبية الجوع إلى صناعة الرغبة.
وتتحول حتى كلمة (صحي) في بعض المنتجات إلى أداة جذب وتسويق، فلا يكون كل ما تكتب عليه العبوة (صحيًا) مناسبًا بالضرورة، كما لا يصبح غذاؤنا التراثي صحيًا تلقائيًا لمجرد أنه قديم.
ونحتاج نحن أيضًا إلى مراجعة بعض وصفاتنا، وتقليل ما يزيد فيها من الدهون والملح والسكر، وضبط الكميات، وتطوير طرق التحضير، من دون أن نفقد طعمها وهويتها.
ونملك هنا فرصة كبيرة: أن نطور مطبخنا بدل أن نهجره .
نملك الكبسة والجريش والقرصان والخبزة والمرقوق والمطازيز والسليق والحنيذ والمندي والعريكة والعصيدة، ونملك عشرات الأطباق التي تختزن ذاكرة مناطق المملكة وبيئاتها،ونستطيع أن نقدمها بصورة عصرية، ونحدد قيمتها الغذائية، ونطور طرق حفظها وتعبئتها، ونحولها إلى منتجات وعلامات تجارية قادرة على المنافسة والانتشار خارج حدودنا.
وتكتسب جهود وزارة الثقافة في الاحتفاء بفنون الطهي والموروث الغذائي أهمية كبيرة؛ لأنها تعيد تقديم المطبخ باعتباره جزءًا من الهوية الوطنية وقوة ثقافية واقتصادية وسياحية.* ونطمح أن نرى المطعم والعلامة السعودية في عواصم العالم، كما نرى اليوم المطاعم الإيطالية واليابانية والهندية وغيرها في مدننا.
وتبدأ المهمة الحقيقية من البيت، نحتاج إلى أن يعرف أطفالنا أكلات مناطقهم قبل أن يحفظوا قوائم المطاعم العالمية، وأن تستعيد الوجبة المنزلية مكانتها، وأن نقرأ مكونات ما نشتريه بدلًا من أن تكتفي أعيننا بصورة العبوة وشعاراتها، وأن ندعم المزارع والمنتج المحلي والطاهي والمطعم السعودي الذي يقدم تراثنا بجودة تليق به.
ولا نغلق الباب أمام البرغر أو البيتزا أو السوشي، ولا نطفئ الكهرباء لنعيد الحطب إلى كل مطبخ؛ فالقضية لا تقف عند صراع بين قديم وجديد، وإنما تتعلق بقدرتنا على أن نملك قرار مائدتنا.
نستفيد من التقنية من دون أن نصبح أسرى لسهولتها، ونستقبل مطابخ العالم من دون أن نُخرج مطبخنا من بيوتنا، ونطور أكلاتنا من دون أن نمحو هويتها، ونحوّل تطبيقات التوصيل من طريق تدخل عبره موائد العالم إلينا إلى طريق تخرج عبره مائدتنا إلى العالم.
ويبقى الطعام في النهاية صحة وذاكرة وهوية واقتصادًا، ويبقى أمام هذا الضخ الهائل من الوجبات والإعلانات والعلب والأكياس وسيارات ودراجات التوصيل سؤال يستحق أن نسأله قبل أن نضغط زر (اطلب الآن):
ماذا نأكل فعلًا.. ومن أصبح يقرر ما يوضع على مائدتنا؟