الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ سبتمبر-٢٠٢٦       2860

بقلم ـ عبدالله الكناني 

لم تعد المشكلة في صحافتنا اليوم نقص الأخبار، بل ربما أصبحت كثرتها وتشابهها هي المشكلة،افتح عددًا من المواقع والمنصات الإخبارية في توقيت واحد، وستجد الخبر نفسه، والعنوان ذاته أو قريبًا منه، والصورة نفسها، والتصريح نفسه، وربما ترتيب المعلومات نفسه. 
عندها يحق لنا أن نسأل: أين الصحفي؟

لسنا في مواجهة مع إدارات الاتصال المؤسسي، ولا نقلل من أهمية الإعلاميين العاملين فيها، فقد أصبحت جزءًا أساسيًا من البناء الاتصالي الحديث للمؤسسات الحكومية والخاصة، وطورت أدواتها ومنصاتها وقدراتها. 
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإعلام المؤسسي من مصدر للمعلومة إلى بديل عن الصحافة، وعندما تصبح المادة التي تنتجها الجهة هي النسخة التي تتداولها معظم الوسائل الإعلامية.

لقد أفقد هذا المشهد المائدة الصحفية كثيرًا من نكهاتها؛ فالصحافة التي عرفناها لم تكن خبرًا فقط، بل أخبارًا وتصريحات وتقارير وتحقيقات ومقابلات وتعليقات وشكاوى وردودًا ومتابعات وأسئلة. 
كان المحرر يذهب إلى الحدث، والمصور يلتقط زاويته الخاصة، والمندوب يبني مصادره، وكانت غرفة الأخبار تسأل: ماذا لدينا مما لا يوجد عند الآخرين؟

أما اليوم، فيصل البيان والصور إلى عشرات الوسائل في اللحظة نفسها، ثم يبدأ سباق النشر، وهكذا انتقلنا تدريجيًا من صناعة الخبر إلى استلامه، ومن البحث عن المعلومة إلى انتظارها، ومن اختلاف الزوايا إلى وحدة النسخة، وأصبح الرصد الإعلامي يجمع عشرات الروابط لمضمون واحد، لكن السؤال ليس: كم وسيلة نشرت الخبر؟ بل: كم صحفيًا صنع مادة مختلفة حوله؟

الصحفي الذي يسأل ليس خصمًا للمؤسسة، والصحيفة التي تبحث عن زاوية مختلفة لا تعمل ضد الجهة، الإعلام المؤسسي من حقه أن يقول: ماذا أنجزنا؟ أما الصحافة فعليها أن تسأل: ماذا يعني هذا الإنجاز؟ من المستفيد؟ ما أثره؟ وما التحديات؟ وماذا يقول الناس؟

وجزء من التحول أن الجهات والقطاعات استقطبت كثيرًا من الصحفيين والمحررين والمصورين المحترفين للعمل في إدارات الاتصال المؤسسي، وهذا حق مشروع للطرفين، لكن ذلك ترك سؤالًا مهمًا: من بقي في الميدان؟ من سيطرح السؤال الذي لم يرد في البيان؟ ومن سيبحث عن القصة خلف الأرقام ويلتقط الصورة التي لم ترسلها العلاقات العامة؟

حتى المقال ، آخر مساحات الاختلاف، أصبح مع الذكاء الاصطناعي مهنة سهلة لمن يملك الفكرة ومن لا يملكها، فتكاثرت تدوينات بعناوين ضعيفة وأفكار مستهلكة ونصوص سليمة لغويًا أحيانًا لكنها بلا روح. وليست المشكلة في الذكاء الاصطناعي؛ فهو أداة عظيمة، وإنما في أن يصبح بديلًا عن عقل الكاتب وتجربته بدل أن يكون مساعدًا له.

ومن هنا أتطلع إلى التفاتة من  معالي وزير الإعلام الأستاذ سلمان الدوسري ،وهو  الصحفي  الممارس وابن الصناعة وقائدها اليوم، إلى سؤال يستحق أن يكون ضمن أولويات مستقبل الإعلام السعودي: كيف نحافظ على  الصحفي  المهني المستقل داخل مؤسسته الإعلامية في زمن تمدد الإعلام المؤسسي والمنصات والذكاء الاصطناعي؟

لا نريد مقاومة التطور ولا العودة إلى زمن الورق، بل نريد أن يتطور الإعلام دون أن تختفي الصحافة، وأن تتقدم إدارات الاتصال المؤسسي دون أن تحل محل غرف الأخبار، وأن تستخدم التقنية دون أن نتخلى عن عقل  الصحفي  وسؤاله وعدسته.

وأرى أن من الحلول العملية دعم الصحف الإلكترونية المرخصة، وبناء شراكات حقيقية معها؛ فهي الأكثر انتشارًا وقدرة على الوصول إلى مناطق المملكة ومحافظاتها ومراكزها، وتمكين صحفييها من الحضور الميداني والوصول إلى المسؤولين وطرح الأسئلة وإنتاج التقارير والتحقيقات والقصص الإنسانية، مع إيجاد نماذج دعم اقتصادي ومهني تساعد المؤسسات الصحفية على الاحتفاظ بالمحرر والمراسل والمصور المحترف.

دعونا نستمتع بوجبات صحفية متنوعة؛ نريد الخبر، لكن نريد بعده التقرير، ونريد التصريح ومعه السؤال، والصورة الرسمية وإلى جانبها عدسة المصور الصحفي، ونريد أن نقرأ الحدث في خمس صحف بخمس زوايا، لا بيانًا واحدًا بخمسة شعارات.

المملكة تعيش تحولًا تاريخيًا، وإنجازات رؤية السعودية 2030 بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تستحق إعلامًا بحجمها، يوثقها ويحللها ويحفظ تفاصيلها للتاريخ. فليس المطلوب إضعاف الإعلام المؤسسي، بل تقوية الصحافة إلى جواره.

لقد توارى الورق بفعل تحول الوسيلة، فلا تجعلوا المهنة تتوارى بعده. 
دعوا إدارات الاتصال المؤسسي تقوم بدورها، والمنصات الرسمية تقدم رسالتها، واستفيدوا من الذكاء الاصطناعي بكل إمكاناته، لكن اتركوا للصحفي كرسيه في الصف الأول، وعدسته في الميدان، وسؤاله مفتوحًا أمام المسؤول؛ فذلك السؤال هو ما يجعل الصحافة صحافة.