الكاتب :
التاريخ: ٢٥ أغسطس-٢٠٢٦       4070

بقلم - طارق محمود نواب

لم يعد الصعلوك في عصرنا يحمل عصاه ويجوب الطرقات بحثًا عن قوت يومه فقد غادر هامش المجتمع ليستوطن قلب الشاشة وصار يحمل هاتفًا ذكيًا وحسابًا يتخفّى خلفه ويقتات على سمعة الآخرين بدل أن يصنع لنفسه قيمة. ولذلك لم تعد الصعلكة مرتبطة بالمكان أو الهيئة بقدر ما أصبحت سلوكًا يتخذ من الفضاء الرقمي ميدانًا جديدًا له.

وصعاليك مواقع التواصل ليسوا أولئك الذين يختلفون معنا فحسب فالاختلاف حق ومساحة الرأي تتسع للجميع وإنما هم الذين لا يستطيعون بناء حضورهم إلا فوق أنقاض الآخرين ولا يجدون لأنفسهم قيمة إلا حين ينتقصون من قيمة غيرهم. ولهذا يدخل أحدهم إلى المنصة بلا مشروع ولا معرفة ولا موهبة ثم يكتشف أن أقصر الطرق إلى الضوء هو إشعال حريق في بيت شخص آخر.

ومن هنا فهو لا يناقش الفكرة بقدر ما يفتش عن صاحبها ولا يراجع الحجة بل يطارد قائلها ولا يسأل إن كان الكلام صحيحًا بل يبحث عن جملة يمكن اقتطاعها وتحويلها إلى معركة. ثم يعيش على الاجتزاء ويقتات على سوء التأويل ويتقن صناعة الخصومات أكثر مما يتقن صناعة جملة واحدة تستحق البقاء.

ولأن الإساءة وحدها لا تكفي أحيانًا فإن بعضهم يرتدي ثياب الفضيلة وهو يمارس نقيضها. فيحدثك عن الأخلاق ثم يطعن في الناس وينادي بالوعي ثم يروّج الشائعة ويتحدث عن احترام الإنسان ثم يحتفل بسقوطه. ومع ذلك يريد من الآخرين أن يقيسوا نواياه بأفضل الاحتمالات بينما يقيس هو نواياهم بأسوأها.

 وهناك ايضا صنفًا أشد خطرًا من مجرد الباحثين عن الشهرة وهم أولئك الذين تحولت أقلامهم إلى أدوات مدفوعة الثمن. فهم لا يكتبون لأن لديهم موقفًا بل لأن وراء الموقف مصلحة ولا يدافعون عن حقيقة بل عن جهة أو منفعة. ولذلك يزوّرون الحقائق ويجتزئون الوقائع ويعيدون ترتيب المشهد حتى يبدو الباطل حقًا والحق باطلًا ثم يقدمون ذلك كله تحت عناوين الرأي والتحليل.

وحين يصبح القلم مدفوعًا له يفقد صاحبه استقلاله قبل أن يفقد صدقيته لأن الكلمة التي تُشترى لا تستطيع أن تكون حرة. وعندها لا يعود صاحبها كاتبًا يبحث عن الحقيقة بل يتحول إلى مؤدٍ يؤدي الدور المطلوب منه فيرفع من طُلب منه رفعه ويهاجم من طُلب منه مهاجمته ويغيّر مواقفه كلما تغيرت المصالح.

ومع ذلك فقد منحت مواقع التواصل كل إنسان منبرًا لكنها لم تمنح كل من اعتلى المنبر قيمة. فهناك فرق هائل بين امتلاك حساب وامتلاك حضور وبين كثرة المتابعين وكثرة الأثر وبين أن يعرفك الناس وأن يحترموك. ولذلك يستطيع الضجيج أن يجمع جمهورًا لكنه لا يصنع قامة كما يستطيع التشهير أن يمنح صاحبه انتشارًا لكنه لا يمنحه مكانة.

ولهذا يعرف صعلوك المنصات في داخله أنه يحتاج دائمًا إلى خصم أكبر منه فيذكر الأسماء المعروفة ويستفز أصحاب الحضور ويتسلل إلى القضايا الساخنة لأنه يدرك أن اسمه وحده لا يكفي ليصل. فهو لا يصعد السلم بجهده وإنما يتعلق بثياب الصاعدين ثم يصرخ للناس انظروا إلى ارتفاعي.

وبالتوازي مع ذلك ظهرت في العالم الرقمي تجارة جديدة رأس مالها الفضائح فكلما كانت العبارة أكثر قسوة ارتفع التفاعل وكلما كان الاتهام أكثر إثارة اتسعت دائرة المشاهدة. ومن ثم أصبح بعض الناس يزنون الكلمات بعدد الإعجابات لا بميزان الضمير ويحسبون النجاح بما أحدثوه من فوضى لا بما أضافوه من معرفة.

ولأن الحقيقة تحتاج إلى جهد بينما الإشاعة تحتاج إلى زر فإن  الصعلوك الرقمي  لا يبحث دائمًا عن دليل كامل فقد تكفيه نصف جملة أو صورة مبتورة أو خبر مجهول المصدر ليقيم عليها محكمة كاملة. ثم يصبح هو القاضي والشاهد والخصم في وقت واحد ويطلب من الجمهور تنفيذ الحكم بإعادة النشر والتعليق والتشهير.

والأخطر من ذلك أن تكرار هذه الممارسات جعل الإساءة عند البعض نوعًا من الترفيه حتى صار سقوط إنسان مادة للمشاهدة وتحولت الخصوصية إلى سلعة وأصبحت أخطاء البشر موسمًا مفتوحًا لمن يريد جمع المتابعين. وحين تنتهي الحكاية لا يعتذر أحد ولا يعود الذين شاركوا في الضجيج لإصلاح ما أفسدوه.

ومع هذا كله لا ينبغي أن نحمّل مواقع التواصل ذنب مستخدميها لأن المنصة لا تصنع الأخلاق وإنما تكشفها ولا تخلق الحسد لكنها تمنحه نافذة ولا تزرع الجهل لكنها تضع أمامه مكبر صوت. وفي المقابل منحت أصحاب المعرفة والفكر والإبداع مساحة واسعة لنشر ما لديهم والوصول إلى الناس.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين حساب وحساب ولا بين مشهور ومتابع وإنما بين قيمتين. فقيمة ترى الكلمة مسؤولية وقيمة تراها سلعة وبين قلم يكتب بما يمليه عليه ضميره وقلم ينتظر من يملي عليه ما يكتب وبين عقل يدخل النقاش بحثًا عن الحقيقة وعقل يدخل السوق باحثًا عن الثمن.

وقد ينجح صعلوك المنصة في صناعة ضجيج عابر وقد يتصدر اسمه المشهد لساعات وربما لأيام لكنه سيظل محتاجًا إلى أزمة جديدة كي يبقى حاضرًا لأن حضوره لم يُبنَ على شيء يخصه. ولذلك ما إن تهدأ الخصومات حتى يعود إلى حجمه الحقيقي منتظرًا عثرة أخرى يتسلقها أو اسمًا جديدًا يختبئ خلفه.

أما أصحاب القيمة فلا يحتاجون إلى هدم أحد كي يظهروا ولا إلى تشويه أحد كي يثبتوا وجودهم لأنهم يبنون أسماءهم ببطء ويتركون أعمالهم تتحدث عنهم. كما أنهم يعرفون أن المكانة التي تحتاج إلى الإساءة للآخرين كي تبقى ليست مكانة بل استجداء دائم للانتباه.

وهكذا يكون الزمن الرقمي قد غيّر شكل الصعلكة لكنه لم يغيّر جوهرها. فقد تختفي العصا ويظهر الهاتف وقد يغيب الطريق ويظهر الحساب وقد تتغير الأدوات كلها لكن الفقر الحقيقي يظل واحدًا وهو أن يعجز الإنسان عن صناعة قيمته فيقرر سرقة شيء من قيمة الآخرين.

 

وفي النهاية سيهدأ الضجيج كما يهدأ دائمًا وستسقط العبارات العابرة من ذاكرة الناس ولن يبقى إلا الأثر. وعندها سيعرف كل إنسان ماذا ترك خلفه معرفةً أم إساءة وحقيقةً أم تزويرًا وموقفًا أم صفقة وبناءً أم خرابًا.

 

فمواقع التواصل لا تمنح أحدًا قيمة لمجرد أنه يتحدث كثيرًا كما لا تمنح القلم شرفًا لمجرد أنه يكتب لأن شرف القلم في استقلاله وقيمة الكلمة في صدقها. ولذلك فإن بعض الأقلام حين تُباع لا تخسر قارئها فقط بل تخسر احترامها لنفسها قبل أن تخسر احترام الآخرين لها.