الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ أغسطس-٢٠٢٦       2750

بقلم ـ جمعان الكرت

الثقافة ليست ترفًا اجتماعيًا، ولا نشاطًا هامشيًا يُمارس على هامش الحياة؛ إنها أحد أهم المداميك التي تحفظ للمجتمعات توازنها، وتصنع وعيها، وتمنحها القدرة على مواجهة الأفكار المشوشة، وبناء مستقبل أكثر رسوخًا. فهي تستقر في العقل والوجدان، وتتجلى في القيم والعادات والأخلاق والسلوك، كما تظهر في المنجزات المادية والعلمية والفكرية التي تراكمها الأمم عبر أجيالها.
ومن هنا تأتي أهمية المبادرات التي تُعنى بالثقافة والعلم والمعرفة، لأنها في حقيقتها استثمار في الإنسان، والإنسان هو رأس المال الأهم في بناء الأوطان.
ولعل ما دفعني إلى هذه التوطئة ما لمسته من بهجة وسرور في وجوه مثقفي منطقة الباحة، حين كنت نائبًا لرئيس نادي الباحة الأدبي سابقًا ،وهم يتلقون الدعم السخي الذي قدمه رجل الأعمال الشيخ سعيد بن علي العنقري للثقافة والمثقفين، حين بادر إلى استكمال وتشطيب مباني النادي الأدبي بالباحة، في مبادرة سخية أسهمت في أن تكتمل منظومة هذا الصرح الثقافي، ليغدو علامة حضارية بارزة في المنطقة. تتسنم قمة جبل شهبة.
وليس هذا الموقف منفصلًا عن شخصية رجل عرفناه وفيًا لمجتمعه، حاضرًا في شؤونه، مؤمنًا بأن للإنسان والوطن حقًا عليه. فالشيخ  سعيد العنقري  لم يحصر عطاءه في مجال واحد، وإنما اتسعت دائرته لتشمل الإنسان والمكان والتعليم والثقافة والتراث والبحث العلمي والعمل الاجتماعي.
ففي محيطه القريب، بادر إلى إقامة قاعة لأهالي قرى الفرعة يستفيدون منها في مناسبات الأفراح والأتراح، وأنشأ ملعبًا رياضيًا على نفقته الخاصة لخدمة الشباب، وإتاحة المجال أمامهم لممارسة الأنشطة الرياضية والاجتماعية والثقافية. كما أسهم في إنشاء مبنى للجمعية الخيرية في بني سار، في عمل إنساني يجسد إيمانه بدور المؤسسات الاجتماعية في خدمة المحتاجين.
وفي جانب آخر من عطائه، جاء اهتمامه بالمكان وتاريخه وبيئته، من خلال تكفله بتمويل مشروع موسوعة جبل شدا على نفقته الخاصة، تقديرًا لقيمة البحث العلمي، وإيمانًا بأهمية توثيق تاريخ المنطقة وبيئتها وإنسانها. ومثل هذه المبادرات لا تخدم حاضر الناس فحسب، وإنما تحفظ ذاكرتهم للأجيال القادمة.
كما تجلّى اهتمامه بالتراث في مبادرته بترميم قرية الموسى التراثية، لتتحول إلى معلم تراثي وسياحي مميز في منطقة الباحة، في خطوة تعكس وعيه العميق بأهمية الحفاظ على الموروث الثقافي، سواء كان ماديًا أو غير مادي، وإبرازه بوصفه جزءًا أصيلًا من هوية المكان وذاكرته.
ويأتي كرسي الشيخ  سعيد العنقري  لأبحاث الزيتون بجامعة الباحة شاهدًا آخر على هذا الوعي؛ إذ كان أول كرسي بحثي علمي متخصص ينشأ في الجامعة بتمويل من رجل الأعمال الشيخ سعيد بن علي العنقري. وقد اتجهت أعمال الكرسي إلى تطوير زراعة الزيتون، وإجراء الدراسات المسحية لأشجار الزيتون البري في المنطقة، والاستفادة من نظم المعلومات الجغرافية، وتحسين جودة الإنتاج الزراعي المحلي، إلى جانب التدريب والإرشاد وخدمة المزارعين.