النهار
بقلم ـ د. إيمان حماد الحماد
ونحن على أعتاب عامٍ جديد.. نشعر وكأن الأيام كأغنامٍ سارحة، لا تلبث أن تمرّ حتى لا نرى منها إلا أثراً باهتاً. وهكذا تمضي الإجازة، كحلمٍ جميلٍ استيقظنا منه فجأة، فإذا بنا أمام بابٍ جديدٍ نكره فتحه، ونحسب ما وراءه من تعب يُثقل الكاهل، وطولٍ يمتدّ كالطريق المجهول، وصعوبةٍ تقف كجبلٍ لا يُتسلق.
نقول: لقد انتهت الراحة، وجاء التعب. ونسينا أن كلّ بدايةٍ تحمل في طيّاتها سرّاً من أسرار النعم، لا يُبصره إلا من فتح قلبه قبل عينيه.
فلا تنظر إلى الأيام القادمة كعبءٍ تحمله، بل كرصيدٍ تُضيفه.
نعم.. أضفنا إلى رصيدك، وليس من عملةٍ تُفنى، بل من كنوزٍ لا تنفد:
للطالب: يُضاف إلى رصيدك علمٌ تُنير به دربك، وثقافةٌ تُعلي قدرك، وفهمٌ يُعينك على أمور دينك ودنياك. كلّ سطرٍ تقرؤه، وكلّ مسألةٍ تحلّها، وكلّ جهدٍ تبذله هو درهمٌ يُودع في كنزك الذي لا يُسرق ولا يُباد.
للمعلم: يُضاف إلى رصيدك أجرٌ يُبقى، وخبرةٌ تنمو، وأثرٌ يمتدّ طويلاً بعد أن تمضي الأيام. كلّ حرفٍ تُعَلّمه، وكلّ توجيهٍ تسدّده، وكلّ صبرٍ تبذله مع طلابك هو ربحٌ لا يُعادله ربح.
ولأولياء الأمور: يُضاف إلى رصيدكم صبرٌ يُزداد عمقاً، واستثمارٌ في الغد يُثمر إن شاء الله. كلّ ساعةٍ تنتظرون، وكلّ جهدٍ تبذلون، وكلّ دعمٍ تقدمونه هو زرعٌ تحصدون ثماره يوماً ما.
إنّ الأيام لا تُعطينا ما نحبّ دائماً، لكنها تُعطينا ما ينمّينا. وثقل الأيام ليس عذاباً، بل هو كالوزن الذي يُقوّم عضلات الجسم، وكالنار التي تُنقي الذهب من خبثه. ما ظننته ثقلاً هو في الحقيقة جناحان تُجهّزان لك لتطير بهما عالياً حين يحين وقت الطيران لتحلق كالشمس عند إشراقها ، ومجدافان تُسيّر بهما مركبك حين تعصف بك رياح الجهل حتى تكاد تغرق ، كالوحل في أعماقها .
فلا تتحسّر على ما مضى كأنه لا شيء، ولا تخف مما هو قادم كأنه سيكون كلّ شيء. بل قل: الحمد لله على ما مضى من نعمة الراحة، والحمد لله على ما أتى من فرصة العمل والبناء.
هذا عامٌ جديد.. ليس سلسلةً من الأعباء، بل سلسلةٌ من العطاء. كلّ يومٍ فيه صفحةٌ بيضاء تكتب فيها ما يزيد رصيدك نوراً ورفعةً ورضا. فامشِ فيه بخطى واثقة، واملأ قلبك بالرجاء، فما خاب من جعل بدايته أملا، وما خسر من جعل رصيده كسلا ، ولا يقارن أهل العلم بمن أضاع النور جهلا ...
@bentalnoor2005
بنت النور